حول الكاتب
عدنانوية 4 بقلم عدنان عباس
منذ منذ العام الماضي

تبويب اللوح
أحدث ألواحي المنشورة

قصتي مع ست دراهم شاي

بعثتني خالتي عندما كنت صغيرا الى دكان البقال محمد صالح كان عمري حوالي ست سنوات وكنا نسكن في الصالحية والمسافة بين البيت ومحل (محمد صالح) تعتبر مسافة غير قصيرة (طويلة بالنسبة لصغر سني), قالت لي:

اذهب واجلب لنا بست دراهم شاي وأعطتني مبلغ عشرين فلسا, وهي قطعة نقود فضية أو نيكل ذات العشرين فلسا وكنا نسميها (قران).

-وكان يضرب المثل أيامها حين تذكر الافلاس لدى بعض من أسمعه وهو يصف أحواله في أوقات العوز والبطالة من الكبار لاخرين من سرد طريفة أو قصة أو وصف للحالة التي هو فيها ويقول المثل وهو يعني انه كان مفلسا في تلك الفترة (كنا نركض على التفلة (البصاق) نحسبها قران) أي كنا نرى من بعد قطعة البصاق وهي مدورة تبدو بيضاء على الأرض حاسبين انها قطعة نقود من فئة العشرين فلس التي نسميها قران.

قصة التفلة والقران قصة تداخلية مشتتة للقصة الأصلية ولسردي لواقعة (ست دراهم) وهي حكاية دوختني وأقضت مضجعي لفترة لعدم فهمي حقيقة ..... كيف أشتري بست دراهم شاي وأنا معي عشرون فلسا (قران)!!!

علما بأن الدرهم في حينه أكبر حجما من القران ذو العشرين فلس وكنت أراه ولم ألمسه وهو بقيمة خمسون فلسا أي قطعتي قران ذات عشرين فلس زائدا عشر فلوس تساوي خمسين فلسا درهم وقطعة العشر فلوس من معدن فيه نيكل فضية اللون أو حمراء نحاسية مصكوكة معدنية ذات حافات مسننة (محكرصة) جميلة الشكل قطرها أكبر من الدرهم بقليل فيها صورة الملك فيصل الاول أو الملك غازي الأول أو فيصل الثاني وهو طفل وهم ملوك العراق في حينه من جهة ونسميها الطرة وهي بمعنى (الطغراء) ولكن بالاختصار الشعبي نستعمل طرة. أما الجهة الثانية ففيها كتابة وشرح المملكة العراقية عشرون فلسا رقما وكتابة أو عشرة فلوس رقما وكتابة أو خسمون فلسا رقما وكتابة كل حسب القطعة ونوعيتها وكنا نسميها (كتبة) وكنا نلعب قرعة بهذه النقود ونقترع بين الطرة والكتبة ونختار أي سطح يظهر أمام الناظر حين رميها في الهواء ونقول على اللعبة طرة وكتبة حين المراهنة أو الاختيار في اجراء قرعة برمي القطعة وأحدهم يختار الطرة والاخر يختار الكتبة ليجد نفسه قد خسر أو ربح عندما تسقط القطعة على احدى جانبيها.

ومن أجل مواصلة قصتي الأولى ست دراهم شاي تساءلت وأنا الطفل الذي وعيت في ذلك المسكن بالصالحية وشعرت بأنني كبرت وأنا أخرج لأجلب قرطاس شاي بوزن ست دراهم ولم أكن أفهم ان ست دراهم هي وزن وليست قيمة بينما تغطي القطعة ذات العشرين فلسا تلك القيمة بل قد تزيد منها فلسين أحصل منه من البقال محمد صالج على قطعة حامض حلو (أو جكليتة) وهي تسمية محلية للبونبوني والكراميل. والتي كنا نحبها ونحن أطفال أو الملبس وهو الأرخص أو المسقول المحشو باللوز وهو بيضوي الشكل أبيض اللون صلب يلمع أو يكون المبلغ ذو العشرون فلسا على قدر ست دراهم من الشاي (قصتي عويصة وأنا طفل أخوض مغامرة وأسير لمسافة طويلة وأنا غير مقتنع اذ يجب أن يكون معي ست قطع ذات خمسين فلسا أي ست دراهم لكي أشتري من محمد صالح شاي) هل أقول له وأنا أفكر .... اعطيني بست دراهم شاي وأنا أعطيه عشرين فلسا.

هل أنا طفل أو مجنون لا سامح الله يجب أن أفهم. عدت الى خالتي لأتأكد وأعيد السؤال فقالت لي: لا عليك أنت قل له بست دراهم شاي وهو يفهم وانا حائرأفكرغير مقتنع. ذهبت الى المحل مراقبا الفتيان والأطفال كل يشتري ويطلب وهو يستلم ويسلم ما طلبوه لهم وتوقفت أنا غير مقتنع عدت سائرا مسافة غير قصيرة الى خالتي مرة أخرى قالت لي مرة أخرى: لا تقل ستة دراهم قل ست دراهم لصقا (ستدراهم) أي بتسكين الدال للدرهم ست دراهم وتشديد التاء في الستة وعدم تأنيثها أي الستة وتقول ست دراهم.

وكانت تلك لهجة الجنوب في نظري (لهجة من لا يلفظ الكلام صحيحا) اذ أنا متعود أن أقول ستة دراهم وبفصاحة محلية بغدادية لوصف القيمة بينما المطلوب مني أن أحرف الكلم وألوي لساني وأقول بلهجة وصوت لم أعهده من قبل وأقوله وأنا أقصد وزنا! لا قيمة! وأسلم له قيمة عشرين فلسا ..... ياربي ماهذه المحنة التي وضعت بها. عدت وكررت الذهاب والعودة والتردد وأنا واقف أمام المحل أسمع طلبات الأطفال من سني أو ممن هو أكبر مني وحتى من هو أصغر مني ويبدو لي وهو يلفظ بثقة ويطلب ما يريد وأنا الواقف المتردد (لو تدري كيف أبدو مغفلا وأنا امد يدي وأراقب الجمع يعدو ويبتعد كل اشترى مبتغاه وأنا كالأبله (صافن) واقف دون ملامح سوى البلاهة كيف أمضي وأقول يا ناس كيف أشتري بست دراهم شاي وأنا المرسل بالعشرين فلسا! صاحب الست سنوات عدنان.

أخذت أراقب المحل وزبائنه واخيرا يقول أحدهم ويطلب بست دراهم حاجة وهو يدفع له قطعة نقد لا تفي بالقطع وليست ست دراهم كما ظننت فتشجعت بعد أن ذهب وأنا محرج محشرج الزور خافت الصوت طالبا بست دراهم شاي وأنا أعطيه عشرين فلسا. أخيرا تجرأت ... وقلت له ذلك, أخذ مني النقود ووزن لي ذلك المقدار لا أدري كيف وأعطانيه ملفوفا معيدا لي قطعا معدنية لم تفرحني في حينها كما توقعت ولم أذكر مبلغها أو عددها نسيت الحلوى والحامض حلو والجكليتة وعدت منتصرا الى خالتي! وأنا أجر خيبتي وتأخيري وعدت أخيرا وسلمت بقايا من نقود وسلمت لها قرطاس شاي وأنا بادي الغباوة والجمود لا أصدق نفسي وانتصاري وأنا أذكر كيف ذلك. هل أقول هل أظهر غبائي أتسائل.

وأقول وأنا أكلم نفسي قد حصل كل ذلك عند أعوامي الستة في سنوات الخمسين في الأعوام 1952 أو 1951

وانا العائد منتصرا من هول أحوال الغرابة وأهوال المغامرة كيف أنجو من اللوم انها معركة الثقة بالنفس والانتصار على النفس وبعد أعوام نسيت الوزن اذ أخذنا نشتري الحاجة بالكيلو غرام وليس بالحقة وقد سمعت أوزانا وهي حكة اسطنبول وهي تعادل 1250 غرام أي كيلو غراما وربع والمن الذي يساوي أربع حقق (أربع أوقيات كل أوقية أربع كيلوغرام أو ستة حقق المن) نشتري الرقي أحيانا بالمن (وبدون سلوى) وهذا ما حصل لي من مغامرة في ذلك اليوم.

 

بقلم: عدنان عباس





  إعدادات
حقوق الملكية والطبع والحقوق الفكرية كلها محفوظة لصالح ألواح | Alwah.net | Alwa7.net | Alwa7.com
بُنيَ الموقع بإستخدام ASP و SQL و Bootstrap و FontAwesome
أحد مواقع ANmar.Systems