حول الكاتب
عدنانوية 4 بقلم عدنان عباس
منذ منذ العام الماضي

أحدث ألواحي المنشورة

قبل أن أبدأ حكايتي أحب أن أوضح ان البلبل فنان مغرد مطرب يطربنا صوته وهو يختلف عن العصافير أو بعض الطيور الغير مغردة ومن عاداته أنه يثقب قطعة العنب أو أي قطعة من الفواكه ويجلب لها قليل من الماء في منقاره ويضيفها الى هذه الفاكهة وهي على الشجرة ويتركها لفترة أيام وبعدها يأتي ليأكل منها ويشرب ما فيها من خمر وقد تخمرت وأصبحت وسيلة لاطلاق طاقة الغناء لديه بفعل السكر أي هويتعاطى المسكرات ويأكل الفاكهة والخضروات ولا يقتصر على الحبوب.

أعود وأبدأ قصتي .. سمعت مثل في احدى المسلسلات المصرية (الي معاه قرش محيره يشتري حمام ويطيره)! وضحكت على نفسي حينها وقلت هذا أنا اذ كنت في تلك الأيام وأنا محب لحرية الطيور واطلاقها وقد رأيت عديلي خزعل (أبو حسن) وهو يصطاد مرة من الأعشاش التي لدي في مزرعتي التي تملكتها يوما وأسميتها البستان كان فيها أشجار وأعشاش طيور ومنها البلابل المغردة والتي تحب الحرية ويحبها الناس يفضلون اقتنائها وهي أفراخ صغيرة لكي تعتاد على الحبس والتغريد بعد تدريبها أي أفراخ البلابل على يد ناس مهرة يفهمون في طبائع البلابل ولهم بلبل يغرد جيدا يسمونه الأبي أو المعلم محبوس في قفص لوحده يغرد لتتعلم الأفراخ منه التغريد. تحبس في أقفاص من الخوص المصنوع من سعف النخيل المتقن الصنع والذي يتفنن صاحب البلبل بوضع مختلف أنواع الأغذية له اذ ان البلبل كما سبق وقلت يحب الفواكه والأعناب والتمر ومعظم ما يأكل الانسان من خضروات بقدونس وغيره. علما بأن البلابل لا تتكاثر في الأسر اطلاقا ولا تتزاوج ولا تتناسل ولا يغرد البلبل الا اذا عاش وحيدا محبوسا في قفصه أو مطلق الحرية على الأشجارحيث تغرد البلابل الاخرى بسمفونية رائعة تشكي الأسر والبلابل الأحرار يخبرونه بتغريدهم عن أهوال وثمن الحرية والحصول على الغذاء يحسدونه وهو المأسور المدلل الذي لديه في قفصه كل ما يشتهون ويضحك وهو المأسور ويبكون وهم أحرار طلقاء. كل ذلك تغريدا يفتت الصخر ولما كنت من عشاق الحرية.

وما فعله عديلي خزعل أبو حسن من اعتداء على جاراتي البلابل اللاتي عششن لدي وفرخت أبياضها بأفراخ سلبها من والديها الحانيين وأخذ يدربها وهي في الطفولة لتكون أقدر على التغريد في الأقفاص وتباع بأثمان جيدة حين اجادة التغريد لأنها دربت منذ الصغر.

ان تم اصطياد البلابل البالغة وقد يعقب ذلك أي صيد البلبل الحر الذي ينتحر أحيانا في الأسر وقد يكون لديه أسرة وأحيانا يصاب باكتئاب ولا يغرد (ولا يساوي شيئا بدون تغريد) مهما حاول تدريبه لأنه بلبل حر اصطيد غدرا وسلب من بيئته ليحل في الأقفاص وهذا الاكتئاب يؤدي به الى الموت اضرابا عن الطعام واحتجاجا على الأسر ولله في خلقه شؤون.

وكان أبو حسن يبيع تلك البلابل في سوق الغزل (سوق الجمعة للطيور) في مدينة بغداد بعد جهد وتدريب وصبر كبيرين ولكن المؤاخذة فقط كونه أقلق راحة من استجار بي في أشجاري واستأمنني عائلته وهن البلابل في بستاني وتكاثرت وفقست بيوضها لدي اذا كانت البلابل تلك مستجيرة بي (وأنا الفقير المتواضع عدنان وأنا المجير الخائن الذي أسلمتهم بدون علمي الى من سلبهم حرية أفراخهم وذلك مما أزعجني) وذلك ما حصل. كان من نتيجة ذلك أن أدمنت حب البلابل وعشقت حريتها ولم أطيق رؤيتها في الأسر رغم سروري لسماع تغريداتها المختلفة النغمات وقد كنت أعود من عملي بعد نهاية دوامي في المصنع بعد الرابعة عصرا أو الثالثة عصرا حسب الدوام وبداياته تكون ساعة انتهاء دوامي وكان المصنع في كمب سارة وكنت أعود مارا بساحة عقبة بن نافع وبعد ذلك بمبنى السفارة الألمانية الواقعة على ساحة في طريق مسبح الأمانة من جهة وساحة الأوبرا الفتح من جهة أخرى. أنا قادم من عملي متجها الى الكرادة خارج وفي الساحة المذكورة كنت أجد بعض الشباب والأولاد يعرضون أقفاص بلابل ازواج أو ثلاثة في قفص وهناك أقفاص كل قفص فيه عدد من البلابل يرفرفون طلبا للحرية وعادة نجدهم في الربيع وأتوقف وأكلم احدهم وتبدأ عملية الشراء يعطيني السعر مع القفص وأجيبه: لا بدون قفص! أريد العدد الموجود داخل القفص مشيرا الى القفص المزمع شرائه. بعد ان يفهم انني أريد شرائهم لغرض أن أطلقهم في الساحة ليعودوا أحرارا يستغرب أحيانا وهو يعتقد في قرارة نفسه أنني مجنون مخبول أو مسرف مهدار, غير أن أكون عاقلا رشيدا اذ كيف يلقي أمواله هكذا في الهواء.

ونتفق ونطلق البلابل بعد تسلم صاحب القفص المال لكي يذهب هو ويستريح من عناء الوقوف وأنا أذهب لمنزلي قرير العين فرحان بحرية تلك البلابل. تطير البلابل وتدعو لي بالسعادة والحرية التي سلبها منها صائدوها وسلبها مني صادمي وصدام البلاء الغادر في عراقنا الحبيب وأفرح عندما أجدهم قد طاروا وصعدوا في أعلى الأشجار القريبة وأحمد الله.

في مرة اشتريت ثلاثة بلابل طار أحدهم عاليا والثاني طار قريبا يتطلع وينظر الينا أنا وبائعه من مكان قريب وهو يلهث ناظرا الينا, أما الثالث فلم يستطيع الطيران ووقف بحيث يرانا ونراه في موقع قريب على ارتفاع بسيط قد يستطيع البائع مسكه واعادة بيعه. توقفت أنا وقد أوقفت سيارتي لعملية الشراء والتعامل لاطلاق سراح البلابل مهما دامت من وقت. صحت به حين وجدرته يهم باعادة صيد الثالث من البلابل قائلا: اياك اياك فهو ملكي ويعود لي حتى أتأكد أن يعود الى كامل حريته. كان أن أمسكه بأمري وأنا مالكه وأطلقته من جديد اذ كان عطشانا منهكا متعبا وفرحت باطلاقه وهو يطير عاليا وأحمد الله اذ طرن ثلاثتهن.

لهذا انطبق علي المثل المصري "الي عنده قرش محيره ... يشتري بلابل ويطيرهم".

ولهذا عندما سمعت المثل في المسلسل المصري القديم, ضحكت على نفسي وقلت هذا أنا عاشق الحرية وقد صدق معروف الرصافي حين قال أبيات من الشعر مطلعها:

 

سمعت شعرا للعندليب

تلاه فوق الغصن الرطيب

اذا قال نفسي نفس رفيعة

لم تهوى الا حسن الطبيعة

يا قوم اني خلقت حرا

لن أرضى الا الفضا مقرا

فان أردتم أن تنصفوني

ففي المباني لا تحبسوني

وان أردتم أن تنطقوني

فأطلقوني فأطلقوني

 

وأنا لم أفعل سوى أن اطلقت بلابلي! واليوم أنا أتذكر ذلك الموقف من البلابل بعد مرور تلك السنوات من ثمانينيات القرن الماضي وأنا أقرأ عن محمد مهدي الجواهري وما كتبه عنه الأستاذ العالم الدكتور هيثم غالب الناهي في كتابه: "كنوز في ذاكرة الأدب العربي" وفي صفحة 12 من الكتاب المذكور يقول واصفا محمد مهدي الجواهري

فيندفع بين الفينة والأخرى لشراء الطيور واطلاق سراحها فتطير وتطير ثم تطير وهو يتابعها بكل عنفوان وتأمل وحسرة يتلوى ألما من حبس حريته فتتأجج أحاسيسه بزفرات شعرية ساخطة على من يلف حوله من اخوان الوفا وخلان الصفا متمنيا أن يهبه الله جناحين يطير بهما حيث لا رجعة ليتخلص ممن يحيطول به

وأنا أتأمل وضعي السابق الذي كنته وأصف حالتي وبما استطعته من قصور في الأسلوب والمعاني والتعبير وأقول: من لي بمثل الدكتور هيثم غالب الناهي وأسلوبه العذب الذي يصف به شاعرنا الجواهري ومن يكتب عني ذلك الشعور الجياش الذي دفعني لشراء البلابل واطلاقها.

وبنفس الوقت أقول فرحانا جذلانا ... لست وحدي المجنون بالحرية!

بل هناك من سبقني الكثير وهاهو أحدهم عظيم من العظماء من شعراء الحرية وأفضل من قال شعرا في العصر الحديث جامعا جزالة المتنبي وحكمة المعري وأبو تمام والبحتري وأبو فراس جميعهم بل فاق بعضهم. فلذا أنا سعيد بما علمته عن جواهرينا محمد مهدي. فشكرا للدكتور غالب الناهي العالم الأديب.

 

بقلم: عدنان عباس





  إعدادات
حقوق الملكية والطبع والحقوق الفكرية كلها محفوظة لصالح ألواح | Alwah.net | Alwa7.net | Alwa7.com
بُنيَ الموقع بإستخدام ASP و SQL و Bootstrap و FontAwesome
أحد مواقع ANmar.Systems