الواقعية والتحليل النفسي في مجموعة قال الشيخ

1/8/2012
صورة اللوح

الإنسان في الإسلام مخلوق يحمل أمانة الله ، الأمانة التي عرضها تعالى على الأرض والسماوات والجبال فأبين أن يحملنها ، فحملها الإنسان وقبلها بمسؤولية عالية لإيمانه المطلق بالله تعالى .
وهذا يعني أن الأمانة هي المسؤولية بحد ذاتها ، كما يقال أن كل من يؤمن بمدرسة فكرية أو مذهب يستوجب مسؤوليات على نفسه ، وتكون هذه المسؤولية أكثر جدية وأكثر ثقلا عندما تعطي معنى الإيمان على أساس هو العمل والتنفيذ بالجوارح ، ولا يقتصرعلى الإيمان بالقلب والإقرار باللسان . وبهذه الحالة سيكون كل إنسان حاملا لأمانة الله ؛ ليس هو مسؤولا عن جماعته أو أُسرته أو بني جلدته فحسب ، وإنما هو مسؤول أمام كل الوجود ، فمن المؤكد ان مثل هذه المسؤولية تقع على عاتق العلماء والمبدعين الذين هم على اقتدار في سبر غور النفس البشرية فيكون مدادهم أفضل من دم الشهداء ويكونون كما قال الرسول (ص) : علماء أُمتي أفضل من أنبياء بني إسرائيل ، ومن هذا المنطلق أقترب مبدعنا القاص سالم المندلاوي من فطرته التي فطرها الله تعالى في الإنسان هو الإيمان بالله ، حين قال في نهاية قصته (حلم رخيص) : (مزقت بطاقة اليانصيب اللعينة قبل أن أخرج قائلا : يا ألله) .
وبنفس الإبداع تألق مبدعنا ببقية مجموعته القصصية التي احتوت على وجدان وآلام الإنسان المعاصر من خلال رؤية واقعية متكئة على أحلام وتخيلات إنسانية ذات انسيابية أدبية عالية ، سهلة الهضم ، ممتعة لحد الثمالة ظهرت في تركيبة الجمل واختيار الكلمة الصادقة في معانيها ومراميها الإنسانية والوجدانية ؛ وهذا هو الإبداع الفكري الإنساني في سرد القصص الأسطورية أو التراثية التي يعدها بعضهم مجرد دعابة أو استخفاف بشخوصها أو أحيانا استهزاء بها مثلما يظهر في حديثه عن (صباغ الأحذية) من قصته (في مقهى البرازيلية) ، وإنما يجب أن تصبح فكرا إنسانيا أو أخلاقيا يحتذى به ؛ فما بلك إذا ما كانت قصص مبدعنا المندلاوي تأخذ طابعا وجدانيا وإنسانيا ورومانسيا تحاكي قضايا إنسانية مجتمعية واقعية ؛ ألا يكون هذا العمل لا يقوم به إلا نخبة متفتحة الذهن مؤمنة بخالقها .. ثاقبة النظر .. عارفة خفايا شعبه الوجداني .
إن قدرته الأدبية قد مكنته من وضع معادلة رياضية كأستاذ الرياضيات من خلال تحليله الجدلي لحادثة المتسكع في ص22-23 مستخرجا نتيجة المعادلة الصحيحة حين قال : (تساءلت في سري : ما الأمر الذي أدى بهذا المتسكع السكير لأن يصل إلى هذا المستوى من الضحالة هل يؤدي الفقر والعوز ببعض الناس إلى أن يصبحوا بهذا الشكل ) وهكذا يعزز تراجيديته السوداء بموائمة رائعة في قوله ص14 : (فلن اقضي على فقرهم حتى لو منحتهم كل أموالي ، لن أغير شيئا حينها سوى زيادة عددهم واحدا آخر) مع مقولة الفيلسوف الإنكليزي برنادر شو حين طُلب منه أن يوزع ثروته على فقراء لندن طالما أنه اشتراكي النزعة فكان جوابه بالإيجاب ، ولكنه استدرك قائلا : (سيزيد فقيرا آخر على فقراء لندن ، هو أنا) .
حقا كما قال القاص والمترجم حسين الجاف في تعليقه على المجموعة انها تناولت أحداثا واقعية عنيفة عصفت بمجتمعنا وبخلاف العادة والتي قد تصبح يوما عملا تربويا يمكن تنظيرها لتطوير الفكر الإنساني وتقويم المجتمع وتطهيره من رجس الشبهات وارتقائه إلى سلم السمو والرقي من خلال استخلاص العبر الإيجابية وتوظيفها في السلوك الإنساني كما تحدث عنها بكل جرأة ووضوح في قصته (عاشور في التنور).
لقد أجاد مبدعنا المندلاوي في إسهابه غير الممل في قصته )فئران السد) عن سيرة الطغاة ممثلة بأعتى طاغية في هذا العصر ، مكنته من الوصول ثانية بكل جرأة واقتدار إلى نتيجة معادلته الرياضية التي أعتاد على استخدامها بكل قصة من قصصه حين قال : (ربما تضع الوحدة والاغتراب أكثر من ذلك بكثير..) حيث بدا أن اختياره لكلمة (اغتراب) ليس اختيارا عشوائيا ، بل عن دراية ومعرفة عالية ، لأنه يعلم بأن الاغتراب هو مفهوم فلسفي مثير للجدل يدخل في تفسير كل مشاكل الحياة .. ومنها على سبيل المثال انعدام القوة ؛ قوة الإرادة .. قوة المبادرة والتغيير ، حينها لا يتحكم الحاكم بنتائج عمله ، أي يكون عالم الاغتراب ، عالما مقلوبا .
أما بقية قصصه فقد اتكأت على عناصر التاريخ اتكاء رئيسيا مع أنها ليست تاريخية خالصة في مواطن كثيرة من تلك القصص ، وإنما قام بتوظيف التاريخ لاستخلاص رسائل للمجتمع الإنساني المعاصر ، وبدا لي أن أفكاره قد امتدت لاختراق المستقبل ولأستشرافه لأنها ليست حبيسة الموروث في المرحلة الحاضرة بدافع من نضج الظروف لحل مشكلة العلاقة بين الماضي وبين الحاضر على أسس جديدة تتناسق مع توجهات المستقبل ، أي أن قصصه ليست وليدة المرحلة الحاضرة وهي لم تنشأ من فراغ تاريخي ، إنما جاءت امتدادا لعمل دؤوب من نعومة أظفاره ممزوجة بالواقعية والجرأة والصراحة وأيمانه بالمسؤولية جاعلا منسوب الله والوطن في أعماقه والإيمان في أصالة عمله وما ينتجه نحو مستقبل أفضل كما أشرت في مقدمة مقالتي هذه . وكانت خاتمة مجموعته القصصية مسكا وعنبرا في قصته (قال الشيخ) : ( سأقابل رسول الله (ص) مع رفاقي في الجهاد هذا اليوم حتما) بعد أن أوشك على الرحيل وهو محمل بكثير من الخطايا والآثام والموبقات المهلكة .. فأية مفارقة هذه يحملها قدرنا في ازدواجية الشخصية والمعايير حسب رأي العلامة علي الوردي .
وأخيرا يجبرني الواقع أن أقول أن قصصه القصيرة عمل أدبي دقيق تنطبق عليه الكلمتان المأثورتان (السهل الممتنع) كون الكاتب يتأمل في الوقائع الاعتيادية والأشخاص العاديين لكي يفسر الحياة ويعبر عن خفاياها من خلال موقف أو لحظة شاهدها في الشارع أو في المقهى أو في دور العبادة ؛ فسلك مبدعنا سالم مسلكين : أولهما أهتم بالأشخاص العاديين واعتمد الصدق في تصوير حياتهم العادية كأسلوب تشيكوف وثانيهما الإيغال في الواقعية والعمق النفسي في تحليلاته الجدلية كما عمل سومرت موم ، مما حدا به أن يرتقي ويخلق قصصا خالدة من ناتج اضطراب الناس في حياتهم العادية ، وهذه ميزة المبدعين.

نشرت في جريدة التاخي بالعدد 6243 في 8/1/2012

التبويبات

3 Comments

  1. Image

    Donec sed odio dui. Nulla vitae elit libero, a pharetra augue. Nullam id dolor id nibh ultricies vehicula ut id elit. Integer posuere erat a ante venenatis dapibus posuere velit aliquet.

  2. Image

    Integer posuere erat a ante venenatis dapibus posuere velit aliquet.

قم بتسجيل الدخول لإضافة تعليق