كنيسة ناعور في ضلال الذكرى ـ 2 ـ

6/12/2010
صورة اللوح
كنيسة ناعور2 كان سقف الكنيسة من الخارج قد غطي بالقرميد الأحمر ويال تلك الروعة التي يعكسها هذا الجمال عندما تنعكس عليه أشعة شمس الصباح الوضيئة حيث يغمر النفس بإحساس مشبوب يطلق الروح من عقابيلها الأرضية ومن إسارها الشارد وجروحها النازفة من ثقل العقل حتى يبدو عالم الروح والعقل عالم واحد لا فواصل بينهما ولا حدود بل وحدة شاملة يتحول فيها الانسان الى طيف ملائكي يسير عل الأرض .. وما يزيدك بهجة وفرح لا حدود له هذا الينبوع الذي يدلف من تلك الصخرة الباكية في الجانب الشرقي بخريرة اللطيف الذي يطرب الحياة في داخلك وهو يتلوى في قناته االتي بنيت من أحجار البازلت منحدرا حتى يصل الى بطن الوادى الكبير ولعل أجمل ما في هذا الينبوع الدافق من روح الحجر، هو طعم المياه الذي تعطره أزهار الياسمين وألريحان التي تتساقط في قلبة، فتزكوه شذا وعطرا يأخذ بجماع الذات فكأنه رسالة خالدة من رسائل السماء، حملها نبي شع نوره في أفق بعيد وراحت أنفاسه تمرح في أمواهه الرحبة السعيدة زهوا لحياة القلوب، وشرابا خالدا يغذو الأرواح الهائمة زاد الخلود . وإما بدهك منظر القوس القائم على عمودين من رخام برزت على تاجه رسوم متقاطعة لا تتكاد تتبينها حتى تأنس في نفسك السكينة خصوصا مع انحناءالعمودين قليلا الى الداخل مما يجعلهما يغفوان على الصخرة وكأنهما يحتضنها بدعة وكأن الفنان الذي صممهما على هذا النحو أراد أن يطلق خيال الواردين الى هذا الينبوع بنوع من الترميز الشديد البالغ التأثير فهذه عبن الحياة التي يجسدها والتي سكبها الثالوث الاعظم في قلب هذه البقعة الطاهرة من الأرضوفي حي اللاتين هذا كل شيء موزع بتناغم أخاذ فالبيوت تتناثر في تؤدة وهدوء منحدرة من أعلى الى أسفل، تتكون في اغلبها من طابقين فقط ابتعدت عن الكنيسة في مساحات متساوية لتترك فضاء رحب وواسع حولها اغرقا في الروعة بحيث تستقل الكنيسة بمكانها وبروحها وبشعائرها وأنغامها وصلواتها ، الطابق الأسفل في كل بيت مكون من بهو واسع هو مكان الجلوس يحرص اصحابه على أن يفرشوه فرشا بسيطا بعيدا عن الأبهة والفخامة ودلالة ذلك ترك مساحة تشي بعمق الإيمان والسكينة والابتعاد عن مظاهر الحياة المادية وفي جوانب البهو تتناثر العديد من التماثيل الدينية وصور المسيح والعذراء مريم وصور القديسين .. ويحرص كل بيت على وجود مبخر نحاسي له ثلاثة أجرنة متساوية يوضع بها نوع من البخور تنبعث رائحته في فضاء البهو كل حين ، يصعد من البهو درج الى الطابق الثاني الذي أعد للنوم، أما اسطح المنازل فعادة ما كانت تغطى بالقريمد الأحمر في محاكاة على ما يبدو لسطح الكنيسة ، تحيط بكل بيت منها أسوار من اشجار الصنوبر والسرو، وهي اشجار تكثر في هذه المنطقة ، ميزتها أنها دائمة الخضرة طوال العام ومنظرها يأخذ باللب في جسدها الملفوف بهندسة رائعة ساحرة تبدا بلإتساع ما أمكن عند قاعدة الجذع ثم تأخذ بالأنساب الضيق كلما ارتفعت نحو الاعلى ، على نحو بالغ الدقة، واجمل ما في هذا النوع من الأشجار هو عندما تهتز بفعل هبات النسيم تطلق تلك النغمات العذاب وكأنها تسابيح تحوم بالفضاء خصوصا عندما تنبعث نغمات الارغن من قلب الكنيسة أثناء اداء الصلوات فتختلط تلك بهذه مشكلة معزوفة اسميتها معزوفة السماء .. وآناء الليل عندما يرف القمر بنوره الباسم يهتبل المنظر أمامك وانت تري هذه الأشعة الوردية قد نفذت من المساحات الضئيلة بين الاشجار لتنعكس على الشوارع او على جوانب الدور التي بنيت أغلبها من الحجر الأحمر القاني وهو ذاته الحجر الذي بنيت منها جدران الكنيسة والدير تنعكس ضلال الاشجار وضوء القمر ليرسم تلك اللوحات التي تتراقص أمام ناضريك في بداهة ودهشة.... فقط يجب أن يكون شعورك عميقا بقيمة الفن حتى تلتقط مثل هذه المناظر التي توحي باحاسيس مشبوبة ناضرة. وفي داخل الحديقة المحيطة بالبيت تنتثر اشجار من الزيتون والتين والرمان بأنواعة المختلفة التي تلتف في عقابيلها عرائش العنب والزيزفون أما اشجار الياسمين التي تتسلق على الحواف فما ابدعها وهي تنثر عطرها في كل اتجاه، خصوصا في فصل الربيع وبداية فصل الصيف إذ ترف أزهارها باللون الأبيض واحيان في الاصفر وما أروع أن تشاهد هذه الأزهار تتساقط على الأرض، ان الياسمين وهذه معجزته هنا في هذا الحي بالذات، انه لا يطلق عطرة الآخاذ الا في المساء، ولا أدري اية معجزة تلك، وفي هذه الحدائق الغناء تكثر أنواع الطيور وتتعدد وهي تتقافز من شجرة الى اخرى، وأخص ما يشدك هنا الهداهد الوضاءة الجميلة التي حرم صيدها، أو حتى ازعاجها، وهي ترسل أعذب الألحان عندما تصدح في ساعات الأصيل أو في ساعات المساء، وهناك الحسون بأنواعه والوانه واحجامه التي تنثر ألحانها الشهية في رقة ودعة خاصة اذا ما اختلطت مع هديل الحمائم التي يحرص كل بيت في هذا الحي على اقتناء اسراب منها كثيرة، وما اجمل أن ترى تلك الأسراب وهي تجوب الفضاء في المساء بأعداد كبيرة تتلوي مع الريح يمنة ويسرة هبوطا وصعودا ثم تتساقط فرادى على أسطح المنازل عندما يجن الضلام . كم تساءلت عن معايير الجمال أين تختفي عندما تتنفس هواء القداسة الاليهة الذي يمرح متراقصا في هذا المكان العابق بالسحر والجلال والجمال في هذا الحي وما يحيط به من هضاب واودية ترف فيها الأمواه الدالفة من الصخور الباكية والبساتين المتانثرة على صفحات الهضاب وفي القيعان وعلى حفافي مجرى السيل العرم .. وتلك لعمري نغمة من نغمات الوجود الخالد ولحن من الحان السماء في لحظة صفو من لحظات ارادة الحياة الكبرى . ولكم وددت أن اعيش في ذلك الجو الذي مزج بين القداسة والشهوة بين الايمان والتقوى بين الانسانية والألوهية طيلة حياتي قبل أن احمل عصا الترحال مهوما في هذا العالم .. آنئذا كنت استمتع بكل نوازع الانسان في داخلي واقتات بكل حواسي على هذا الجمال بحيث تتجسد جماع عواطفي وارادتي فهنا مساقط الحكمة التي تغذو عقلي ووجداني .. أول مرة دخلت فيها الى هذه الكنيسة التي يطلق عليها الآن كنيسة النور كانت في عام 1980م في أحد ايام الأحد وكان دافعي الى ذلك غريبا ولا أدري سببا لبواعثه ..ربما كانت تلك الالحان التي ترسلها اجراس الكنيسة في المساء من كل سبت، أو في صباحات الآحاد مع بداية القداس ألحان كانت تتناثر في سماء ناعور وتتردد أصداؤها في جنبات الوادي معلنة بدء ميلاد الروح الذي يستعاد حيا متجسدا على مثال رائع، لكن ما أن ولجت الى داخل الكنسية حتى أخذت بأمور ثلاثة، تركت نطباعا في ذاتي فيما بعد لم أستطع التخلص منه لسنين لاحقة ،الأول هو طريقة الصلاة، والثاني هو الفضاء الرحب الجميل داخل الكنيسة الذي اذهلني ، والثالث هو تلك المويسقي الهادئة الناعمة التي كانت ترافق أداء الصلوات ... العبرة وراءالصلاة الجماعية في الكنيسة لطيفة .. تقول : كما أن المسيح تجسد في أحشاء مريم عندما حل عليها الروح القدس فالمؤمنون جميعا في هذا الكون يجسدوا أو يكونوا جسد المسيح الكوني بالروح القدس وبنعمته التي تحل عليهم في الكنيسة التي تمثل مريم العذراء فالروح القدس يجسد كل الحاضرين في الكنيسة ويصبح المسيح هو المصلي فيهم ، فكأنهم في داخل رحم الكنيسة جسدا واحدا كما كان المسيح جسدا واحدا في رحم مريم.. فالكنيسة هي مريم بالنسبة لهم و عندما يحل الروح القدس يرتفع المصلون الى القدوس وليس القدوس هو الذي ينزل فيصبح كافة المصلون روحا واحدة وجسدا واحدا هذا مع ما يخالطه الكاهن من تسابيح وترانيم وأدعية تعيدها الجوقة المرافقة في سكينة ودعه وحزن وفرح تمتزج المشاعر حتى لا يبقى سوى احساس واحد مفعم بشعور واحد هو الشعور بحضور المسيح الذي يطغى على كل شيئ .. أما بهو الكنيسة فيشعرك بجلال المقدس الذي يتواثب أمام عينيك وتكاد تتلمسه بأطراف أناملك .. ويحي ثم ويحي .. أمن الممكن أن يتجسد المعنى على شكل مادي خاصة عندما تنبعث رائحة البخور والند عبقا يخالطه شذى التاريخ وجلال الكلمة السماوية .. من هو أنا ذا الغارق في أتاويه السحر وملكة الخيال ونار الوجد ؟ عبارة همست بها في قلب فتاة كانت تقف الى جانبي خاشعة في محراب تبتلها ، كانت المسكينة غافية القلب يقضة الروح .. آه كم أنا مارق لعين لقد أدركت ذلك فقلت لأقطع عليها خشوعها فلدي سؤال تتمتم بها شفتاي لكن الفتاة لم تلوي على شيء ولم تخفل بسؤالي في بدء الأمر كنت أعرف ذلك لكني أشحت بوجهي وعقلي وكياني عنها لحظة أن راح انطون يراقص مفاتييح البيانو الضخم بأنامله وانطون هذا كان عالما بالموسيقى تاريخا وفكرا ولحنا كان عبقريا فذا غريب الأطوار والأفعال .لا يتكلم كثيرا ويفضل الصمت اذا سئل اجاب بعينيه الجاحظتين وبحاجبيه العرضين واذا ما استفزه السؤال عرضّ بحده وانهال كالسيل مما يروي لا ضمأ السائل فقط وإنما يحشو عقله حشوا بما لا يتوقعه ... كانت حياته يكتنفها الغموض لكنه كان ذا سطوة بالغة على رواد الكنيسة اذا ما راح يعزف على آلته المحببه الى قلبه كثير البيانو .. لم يكن يحب الارجن لأن الدو فيه ثقيل وهو لا يتناسب مع مسسحة الألم وجلال الكلمة الالهية ولقد دارت بيني وبينه حوارات عديدة سأعود لها في غير هذا الموضع ..راح أنطون يعزف مقطوعة شوبان رحلة الخلود وهي اعظم ما تركه هذا العملاق من آثار ، وأن شوبان هو مكتشف هذا العالم الجديد بظلاله المتألقة، وانتقالاته الأخاذة من أسطع الألوان إلي أقتمها، وأنه هو الذي اكتشف سلم الألوان الموسيقية.فعند شوبان لم يعد السلم الموسيقي كما هو في الموسيقا الكلاسيكية في أركان البناء الموسيقي، بل أصبح اساساً ذا قيمة تلوينية وقد عني شوبان بوصفه الأب الحقيقي للموسيقا التأثيرية بهذه التصويرية أكثر من عنايته بأي جانب آخر من جوانب السلم الموسيقي وأصبح للانتقالات اللمية عنده معني جديد. ففي الموسيقا الكلاسيكية كانت التحولات من جانب الشكل والبناء فهي مصممة وفقاً للمكان والزمان. ومن الإجراءات التي لا مناص من إتباعها في الطريقة الكلاسيكية البدء في سلم موسيقي معين ثم ينتقل من هذا السلم علي أن تتم العودة إليه في النهاية ولا يتجاهل شوبان هذه الوظيفة البنائية للسلالم أو ينكرها، إلا أن أكثر ما كان يعنيه ويطرب له، كان البراعة في حجب هذه السلالم أو عدم إظهارها، أى أن ما كان يهمه هو أن يكون للموسيقا الظلال اللونية الرقيقة التي كان الرسامون الرومانتيكيون وبوجه خاص صديقه الحميم يوجين ديلاكروا ينشدونها وقد نظر شوبان للون علي أنه عامل أولي مستقل له مكانة بارزة في الموسيقي بشرط ألا يتأثر التماسك أو تتأثر الميلودراما من جراء زيادة اللون. وربما أمكن التعبير عن ذلك بدقة أكثر إذا قلنا أن السمة الأساسية المميزة لموسيقا شوبان الرومانتيكية هي الميلودراما المتخيلة في صورة لون دائم التغير أو في صورة لون يتحرك أو ينساب، وفي مثل هذا الفن من الضروري أن يكون الإختلاف بين الضوء والظل وبين الألوان الباهتة والألوان الصارخة ذا أهمية أولية ويؤدي هذا إلي اللجوء إلي جميع السبل المتيسرة بما في ذلك الإيقاع والأنتقال من العنف إلي الرقة لتحقيق ذلك. وقد لجأ شوبان إلي عدة سبل للتعبير عن الرؤي الرومانتيكية للألوان باختلاف درجاتها، انتهى الجزء الثاني
التبويبات

3 Comments

  1. Image

    Donec sed odio dui. Nulla vitae elit libero, a pharetra augue. Nullam id dolor id nibh ultricies vehicula ut id elit. Integer posuere erat a ante venenatis dapibus posuere velit aliquet.

  2. Image

    Integer posuere erat a ante venenatis dapibus posuere velit aliquet.

قم بتسجيل الدخول لإضافة تعليق