العلاقة بين الفلسفة والتربية

4/15/2012
صورة اللوح

يجدر بنا أن نتعرف على آثار الفلسفة في ميادين التربية والتعليم حتى نستوضح العلاقة بين الفلسفة والتربية من ناحية ، كما أنه لابد من معرفة البيئة التربوية التي عاش ونما الفلاسفة أصحاب الاتجاهات الكبرى من ناحية أخرى . إن العلاقة بين الفلسفة والتربية جدلية ووثيقة جدا . إذ أن فن التربية لن يصل إلى حالة الوضوح التام من دون مساعدة التربية ، لأن العلاقة بينهما متبادلة واحدهما من دون الآخر يعتبر ناقصا لا يمكن الحصول على الأنتفاعية . والظاهر من طبيعة العلاقة بينهما ليسا شيئين مختلفين بل هما مظهران لحقيقة واحدة ، فأحدهما يمثل حقيقة أو فلسفة الحياة والآخر طريقة تنفيذ تلك الفلسفة في شؤون الإنسان . فإذا كانت الفلسفة هي الأساس النظري لحياة الإنسان وهي ليست مجموعة من المعارف ، بل هي طريقة من طرائق النظر إلى المعرفة التي لدينا فعلا ، فإن التربية هي الجانب العملي لاستثمار تلك الحياة الإنسانية والتي هي لا تشمل فقط كل ما نعمله لأنفسنا أو للآخرين بقصد تنشئتنا وتقريبنا من درجة الكمال بقدر المستطاع ، بل تشمل أيضا آثار البيئة الطبيعية التي لا تتوقف على الإدارة البشرية من عوامل الجو والتربة والموقع الجغرافي . فكل ما يساعد على صقل الفرد وإخراجه بالشكل الذي ينتهي إليه جزء من التربية
فلابد إذن من أن تمارس الفلسفة دورها أو نزعتها التأملية وأسلوبها الإرشادي التوجيهي وصبغتها النقدية التحليلية في جميع المعطيات التربوية وما تحتوي عليه من مفاهيم وأهداف تربوية ومناهج تعليمية ومعلمين ومتعلمين وفعاليات وأنشطة وطرائق تدريسية ووسائل تعليمية ونظام امتحانات وكل ما يتعلق بالنظام التعليمي والكيان التربوي ، مما يؤدي الكشف عن نوع من الضبط الداخلي في صميم العمليات والمضامين التربوية . فأن تزاوج التربية بالفلسفة أمر حتمي لتطور النظرية التربوية وفعاليتها وتصحيح مسارها من ناحية ولضمان صحة وسلامة المعتقدات الفلسفية وتجديدها من ناحية أخرى ؛ وهذا التزاوج أدى إلى ميلاد ما يسمى بفلسفة التربية التي تعني : الرؤية الفكرية والنظرة الشاملة التي تستند إليها الأهداف العامة التي توجه النظام التعليمي أو النشاط التربوي كما أنها تسعى إلى التأمل الفلسفي للعبارات والمفاهيم والمشاكل التربوية بطريقة معيارية ثم تعمد إلى تحليلها بطريقة واقعية وإعادة تركيبها من جديد ونقدها المستمر فيما بعد . كل هذا يفضي إلى القول بضرورة أن تهتم التربية بالمسائل الفلسفية لكي تستطيع التربية أن تمضي قدما في نهجها الصحيح لبناء شخصية الإنسان والمجتمع .
ومن نافلة القول أن نلج باب الخوض في هذه الدراسة المقارنة بين اتجاهين كبيرين في الفلسفة التربوية ، هما الاتجاه المثالي والاتجاه البراكماتي وأثرهما في التربية وفي طبيعة تكوين الفعل التربوي .
إن المثالية ليست مذهبا فلسفيا محددا بل هي اتجاه عام في الفلسفة يحتوي على العديد من المذاهب الفرعية المختلفة في ما بينها ، ألا أن الاتفاق في القضايا العامة أمر مفروغ منه والتي تقتصر على النظرة إلى الكون والمعرفة ؛ فالكون من المعتقدات الرئيسية للمثالية تتركز على فكرة الروح الإنسانية غير المادية ، إذ ترى المثالية أن هذا الواقع روحي في طبيعته وليس فيزيائيا وبنفس الوقت أنه غير مطلق ، لأن المظهر الخارجي ليس حقيقته وإنما الروح هو حقيقته وجوهره وهكذا تنظر المثالية إلى العالم على أنه عالم العقل والروح وليس عالم الواقع ؛ وهكذا تختزل المثالية هذا الكون بكل ما فيه إلى عنصر واحد هو الروح المتجرد من المادية . من ذلك نفهم أن هناك عالمين : عالم حقيقي وهو عالم المثال ومعياره ، الأخلاق والعقل والكمال . وعالم آخر غير حقيقي عالم الأشباح والظلال والواقع وما هو موجود وكائن بالفعل معياره الحواس . أما المعرفة من وجهة نظر المثالية هي نتاج العقل وحده وبالتالي فالمعرفة القادمة من الحواس غير حقيقية . كما أن ميزة هذه المعرفة إنها غير مكتسبة أي أنها فطرية موروثة ، فلا يحتاج إلى تجربة واقعية للتأكد من صحتها وهي موجودة عند جميع البشر من دون تمييز . أما المعرفة غير الحقيقية فهي على النقيض من ذلك مستمدة من الحواس وهذه الحواس غير صادقة في ما تمدنا وتعطينا من معلومات . أما رؤيتها بشأن القيم فتعتبرها مطلقة وليست نسبية ، لأن الخير والجمال ليس من صنع الإنسان المتغير وإنما هي أجزاء من نسيج الكون . تعتمد المثالية في التدريس على طريقة الحوار والحفظ والتكرار وطريقة التمثيل وعلى الجدل القائم على تحليل الفكرة وإعادة بنائها من جديد بين المعلم والمتعلم وليس الاقتصار على الإلقاء والحفظ والمحاضرة .
أما البركماتية وهي كلمة يونانية ، تعني من الناحية اللغوية العمل أو الفعل وهي ليست تيارا محدد الملامح أو مذهبا ذات أطر ثابتة من الناحية الفلسفية ، ولكنها أقرب إلى منهج أو أسلوب في الفهم والتعامل أو نظرية في الاستيعاب والاعتقاد وما تؤدي إليه من نتائج عملية في حياة الواقع ، إذ ترى البركماتية بأن الكون ليس إسقاط من جانب العقل ، بل للعالم وجوده الذاتي المستقل عن العقل ؛ وهذا العالم مرتبط بالإنسان وطالما الإنسان كائن حي متغير فالعالم هو أيضا متغير وهذه جوهر الفلسفة البركماتية . أما المعرفة فترى البركماتية أنها شكل من السلوك الاجتماعي ، لأن للسلوك هدفا واتجاها وعمل العقل هو نشاط وسلوك وتفاعل مع البيئة البيولوجية والاجتماعية وبالتالي فالمعرفة ليست ثابتة ولا أزلية ولا مطلقة ولكنها نسبية ومصداقيتها تكمن في مقدار ما ترشد من أشياء نافعة للإنسان ليستفيد بها في حياته العملية . أما موقفها من القيم ؛ فالإنسان هو الذي يخلق قيمه من خلال تجاربه . ولهذا نجد أن هذه الفلسفة تطالب النظام التربوي أن يهتم بتدريس القيم خدمة لرفاهية الإنسانية وتقدمها . تعتمد البركماتية في التدريس على طريقة المشروع التي تفترض وجود مشاكل عملية من الحياة نضعها أمام الطفل لتتحدى تفكيره ويشرع في حلها بطريقة عملية ، أي أنه لا يتعلم الطفل عن طريق القراءة في الكتب أو عن طريق سماع الشروح ولكنه يتعلم عن طريقة تعليم نفسه وإطعام نفسه ، أي طريق عمل الأشياء لكي تصبح الأيدي والأعين والآذان بل كل الجسم مصادر للمعلومات (جون ديوي)
ومن هذه الجدلية والمقارنة نجد أن التربية المثالية والبركماتية نقطتا تعادل لطرفي المعادلة لابد من تحقيق التوازن بينهما ؛ فإن البركماتية نظرة تجريبية لما هو كائن أما المثالية فإنها نظرة معيارية لما ينبغي أن يكون في الواقع التعليمي هذا ، وعلى هذا الأساس فان الملاقحة بين المثالية وبين البركماتية أمر لابد منه لصالح العملية التعليمية وخصوصا إذا كانت في ظل نظام ديمقراطي ، إذ لا يمكن الحديث عن التربية والتعليم في غياب الحريات الخاصة والعامة وانعدام الديمقراطية الحقيقية القائمة على المساواة واحترام الرأي والرأي الآخر والمبنية على العدالة الاجتماعية والإيمان بالاختلاف وشرعية التعددية الحضارية .
نشرت في جريدة الصباح بالعدد 2490 الثلاثاء 19/3/2012

التبويبات

3 Comments

  1. Image

    Donec sed odio dui. Nulla vitae elit libero, a pharetra augue. Nullam id dolor id nibh ultricies vehicula ut id elit. Integer posuere erat a ante venenatis dapibus posuere velit aliquet.

  2. Image

    Integer posuere erat a ante venenatis dapibus posuere velit aliquet.

قم بتسجيل الدخول لإضافة تعليق