فلسفة ونقد ثقافي

12/11/2011
صورة اللوح

محاولة لغوية لتحليل ظاهرية الخطاب الثقافي العراقي*
" المنشور الثقافي العراقي أنموذجا "

حيدر علي سلامة


- في خطاب المناهج وإشكالاته
يحتل خطاب المناهج وإشكالياته المعرفية مكانة ابستمولوجية هامة في خطاب العلوم الإنسانية الراهن في إي قراءة نقدية وثقافية، خاصة فيما يتعلق بمحاولتنا الرامية إلى تحليل الخطاب الثقافي العراقي. ويعود ذلك إلى أهمية ما تقدمه هذه المناهج من تحليلات إبستمولوجية ونقدية لوصف حركة الفكر وصيرورته الثقافية في التاريخ، هذا من جانب ومن جانب أخر، يكشف لنا خطاب المناهج طبيعة الخطابات الثقافية وتحولاتها وعلاقاتها بين ما هو سلطوي متغير، متبدل ومتداخل مع ما هو واقعي، سياسي وثابت. لذلك تعد فلسفة المناهج خطاباً تاريخياً، ثقافياً يصف ابستمولوجيا التحولات السياسية والإيديولوجية وفقا لمجموعة من الخطوات والمبادئ التي تحكم صيرورة الوعي و تمفصلاته مع الوجود الإنساني والوجود التاريخي.
من هنا تتشّكل بداية محاولتنا الثقافية، النقدية التي تطرح عدة أسئلة ربما أهمها ماذا نعني بهذه المحاولة؟ ما هي أهدافها ورؤيتها وخطابها الإبستمولوجي؟ ما هي فضاء اشتغالها؟. في الواقع إن محاولتنا الثقافية تهدف إلى تأسيس ورشة عمل معرفية ونقدية تحمل على عاتقها تقديم مجموعة من القراءات والتحليلات الثقافية لطبيعة المنشور العراقي بطبعتيه: الورقية(مجلات ثقافية و صحف يومية) والرقمية(مواقع ثقافية، فكرية، سياسية) الذي ظهر بعد سقوط النظام الشمولي إلى يومنا هذا، ذلك الحدث الذي يحمل بين طياته صفحات من تاريخ العراق التي تدعونا إلى العمل على تأسيس مختبرات ثقافية ولغوية ونقدية لإعادة قراءة هذه الحقبة وفقاً لمجمل التطورات المعرفية والإبستمولوجية في خطاب العلوم الإنسانية، إلا إنه وعلى العكس من ذلك نلاحظ افتقار ساحاتنا الثقافية لمثل هكذا محاولات نقدية لتحليل النص الثقافي الذي هو في أمسِ الحاجة إليها.
تمثل المحاولة التي نعمل على إرساء دعائمها وتقاليدها، بما فيها من مجازفة كبيرة، توجهاً ثقافياً نقدياً يعتمد بشكل رئيسي على الدراسات الإنسانية وعلومها المختلفة. حيث نحاول طرح مجموعة من التساؤلات والإشكالات التي تتعلق بطبيعة وشكل المطبوع العراقي سواءً كان رقميا أو ورقيا، من اجل تشكيل ما يُعرف بحوار المجلات الذي يهدف إلى نقد وتقويض الإيديولوجيات، ذلك لان الحوار بصيغته الثقافية، الإبستمولوجية يكاد أن يكون غائبا أو مغيّبا بين مختلف أطيافنا الثقافية لاسيما في خطاب مجلاتنا الثقافية. فنلاحظ أن هنالك تباعدا ثقافيا ونقديا بين مختلف مجلاتنا الثقافية، والأمر لا يتوقف عند هذا الحد فحسب، بل هنالك مجلات وصحف تفتقر إلى أي رؤية ثقافية ونقدية للواقع العراقي، فلا تعبر إلا عن إيديولوجياتها الخاصة المخفية منها والظاهرة، نتيجة لذلك أصبح الكثير من المنشور العراقي مجرد مجموعة من الكلمات والصفحات الخالية من المناهج الثقافية ومناهج العلوم الإنسانية.
هنالك العديد من التساؤلات الإشكالية التي تتعلق ببنية وطبيعة المنشور الثقافي العراقي منها: هل من الممكن تأسيس خطاب دراسات ثقافية للنص العراقي المطبوع والمنشور؟ وهل يمكن تشكيل خطاب ابستمولوجي يعتمد على مناهج العلوم الإنسانية في استنطاق المكبوت الإيديولوجي للمنشور العراقي؟ وإلى إي حد يمكننا أن نعتمد على العلوم الإنسانية كرؤية ومشروع حضاري يميّز المنشور العراقي؟ وهل يُكتب المنشور العراقي بطريقة ارتجالية أم إبستمولوجية ؟ ما شكل المنشور العراقي، علاقاته، تمفصلاته مع الموروث الشمولي والأنظمة الثقافية ذات الخطابات السلطوية؟ كيف يُكتب؟ لمن يُكتب؟ كيف يُنشر، يُطبع، يُوزع و يُذاع؟ إلى إي حد يمكننا أن نتكلم عن استقلالية للمنشور العراقي؟ وهل هو مستقل عن الموروث الإيديولوجي ومنفصل عن الأنظمة الثقافية التقليدية؟ بل هل هو مستقل عن سلطة التحرير، رئاسة التحرير ومنفذي التحرير؟ هل هنالك علاقة جدلية من الناحية الإنتروبولوجية والإبستمولوجية بين المنشور العراقي و ثقافة العوام والجمهور؟ هل شكّل المنشور العراقي منشورا شعبيا وثقافة شعبية؟ ما طبيعة اللغة في المنشور العراقي، هل هي لغة نظرية أم لغة نقدية أم لغة استعلائية لا تخاطب سوى نفسها وأربابها المتعالين؟...
كل تلك الأسئلة التي لابد من طرحها، تأتي نتيجة لوجود هوة كبيرة بين ما يُكتب ويُنشر وبين ما يُوجد على ارض الواقع، هذه الهوة تتمثل في غياب خطابات العلوم الإنسانية عن معظم كتاباتنا الثقافية والصحفية، الأمر الذي جعل كثيرا من النصوص فارغة من الهّم الثقافي ومنفصلة عن العديد من التساؤلات الإشكالية التي تخص وجود الإفراد والذوات الذين يعيشون معاناة تاريخية أبدية. وعلى الرغم من أن هنالك مجلات ثقافية مختصة في الدراسات الأدبية والعلوم الاجتماعية والنفسية واللغوية أيضا، غير إنه لا يشغُل فيها خطاب العلوم الإنسانية موقعا رئيسيا أو إشكاليا، وإن ظهر فهو حضور منهجي، تصنيفي، مفاهيمي، تأريخي، وليس خطابا يعمل على تقويض الإيديولوجيات ونقد الأنظمة الشمولية والبحث في تاريخية الذهنيات وليس استعراضها بمفاهيم مجردة واطر قبلية ونظريات كلاسيكية. فهل آن الأوان للحديث عن تكوين خطاب ثقافي لدراسة المطبوع العراقي باعتماد مناهج العلوم الإنسانية المعاصرة، وما حصل في تاريخنا السياسي و الثقافي ألا يدعونا إلى اعتماد هكذا خطاب؟

- المجلة اليسارية بين نقد الإيديولوجية وثقافة العوام

إذا ما عدنا بذاكرتنا إلى الوراء قليلا، وتوقفنا عند أهم المجلات الثقافية التي لطالما تربينا على مفاهيمها وأفكارها ومشاريعها الثقافية. ولنأخذ مثلا مجلة (النهج) التي بالرغم من إنها مجلة ناطقة باسم الحزب الشيوعي، إلا أنها تميزت بنشر الكثير من الدراسات المختصة في العلوم الإنسانية كالانتروبولوجيا السياسية والثقافية المتمثلة بفلسفات كلود ليفي شتراوس ودراسات ابستمولوجية عن الخطاب الماركسي (وليس الفلسفة الماركسية المؤدلجة لاسيما في كتابات التوسير)، إضافة إلى الكثير من المفكرين الفرنسيين المنتمين إلى المدرسة الإبستمولوجية الفرنسية، وكذا الحال فيما يتعلق بالدراسات الأدبية حيث نجد استعراضا ثقافيا نقديا وتاريخيا لمجمل الدراسات النقدية والدراسات اللغوية وخطاب النقد الأدبي بوصفها (نظرية معرفة في ثقافة العوام وتاريخهم). وأهم ما ميّز مجمل تلك الدراسات أنها تتحرك ضمن إشكالية ثقافية هي ثقافة العراق والعراقيين، رغم إنها بقيت ضمن مفاهيم الخطاب الماركسي، لكنها لم تحمل بمجملها نَفَسَا أرثوذكسيا خاصة المتعلق منها بالخطاب الماركسي، حيث كانت المجلة مهمومة بتشكيل خطاب ثقافي جديد عن الثقافة العراقية والماركسية. أضف إلى ذلك أن المجلة عملت على تشكيل ملفات ومحاور خصصتها لإشكاليات الثقافة العربية خاصة الإسلام السياسي وتاريخه الثقافي المقموع، الذي تشكل على جلود وأجساد العوام المقصيّن من دائرة الدراسات الأكاديمية واهتمامات المثقفين، فكان المفكر العراقي الراحل الأستاذ هادي العلوي يتصدر المجلة بقراءاته النقدية لتاريخ التعذيب في الخطاب الإسلامي ونقد مجمل صور الفكر الإيديولوجي سواء كان في أدبيات الثقافة العربية الكلاسيكية من أدب، دين، وفلسفة وتصوف وشعر عربي أو في الخطابات السياسية الشمولية التي تحاول إن تُخضِع كل إشكال الوجود إلى معنى واحدي يفسر الأشياء ويصنفها تبعا لإغراضه السلطوية والإيديولوجية. ولا ننسى أن العلوي تفرد بخطاب ماركسي جمع بين ثقافة الشرق والغرب اسماه الماركسية المشاعية مقتربا بذلك من كتابات ماركس حول تاريخ وثقافة الشرق بوصفها محكومة بأنماط أنتاج خاصة تختلف عن أنماط الإنتاج الغربية المعروفة والمتداولة في أوساط الفكر الماركسي الأرثوذكسي هذا النمط الذي أطلق عليه ماركس نمط ألانتاج الآسيوي. إلى جانب ذلك حفلت المجلة بدراسات ثقافية ونقدية في مختلف خطابات العلوم الإنسانية كانت الأقرب إلى تاريخ ذهنية العوام وتاريخ أفكار الناس البسطاء أكثر من قربها إلى تاريخ النخب الإيديولوجية والكتل الثقافية وتكتلات الثقافة والمثقفين. وتضمنت المجلة كذلك على قراءات نقدية بين كُتّاب العدد الواحد أو الأعداد السابقة، حيث يستعرضون فيها أفكارهم النقدية بمختلف اختصاصات العلوم الإنسانية، الأمر الذي جعل من هذه المجلة حافلة بالقراءات النقدية، الحوارية التي غلُب عليها الهّم الإشكالي والابستمولوجي وليس همّ النشر من اجل النشر. ولا يفوتنا هنا أيضا أن ننوه إلى أهمية مجلة (الطريق) والدور الكبير الذي لعبته في إرساء خطاب ثقافي نقدي ينطلق من واقع الثقافة الراهن والعلاقة الإنسانية والنقدية بين الكاتب والبسطاء من الناس، وقد تمثل ذلك التوجه الثقافي من خلال تأكيد المجلة على الأبحاث السوسيولوجية التي تحلل تاريخ الطبقات الثقافية القديمة وعلاقاتها بالصراعات السياسية والأيديولوجية وقد توج هذا الاهتمام بتخصيص أكثر من عدد واحد لكتابات وأبحاث المفكر الفلسطيني الأصل حنا بطاطو. وهكذا الحال مع مجلة (الأقلام) ذات التوجه التقدمي، التي كانت هي الأخرى حافلة بالدراسات الثقافية للواقع العراقي المأزوم منذ ولادته حتى هذه اللحظة. إن كل تلك المجلات وغيرها من المجلات الثقافية التي ظهرت في تلك الفترة، كانت منبرا حرا لأجيال المثقفين آنذاك الذين كانوا الاقرب إلى واقع ومعاناة الإنسان العراقي منه إلى الدكتاتوريات والإيديولوجيات الشمولية التي شملَت كل وجوده.
على الرغم من أن الأزمنة مختلفة لكن تبقى الإشكالية واحدة هي إشكالية الإنسان العراقي وطغيان أنظمته السلطوية وهيمنة الإيديولوجيات الوهمية كإيديولوجية البعث وخطابات الفكر القومي والسياسات السلطوية الراهنة. فما نعاني منه اليوم في خطاب مجلاتنا الثقافية هو غياب هذه الإشكالية عن اهتمامات منشورنا الثقافي وان تجسَدت فبطريقة أيديولوجية مسيّسة وليست بطريقة إبستمولوجية، تحليلية، نقدية تستند إلى أخر كشوف العلوم الإنسانية المعاصرة.
من هنا كان علينا أن نتساءل لماذا غاب النقد والتحليل الثقافي إلى جانب التحليل الإبستمولوجي للمنشور الثقافي (وبشكل خاص في إصداره ألطباعي إبان الحقبة الشمولية) عن دائرة اهتمام المنشور الثقافي العراقي الراهن؟ هل لان الثقافة المسيطِرة على المنشور الثقافي اليوم هي استمرار للثقافة الشمولية؟ ولماذا لم يحرص مثقفي المنشور الثقافي الراهن على تشكيل قطيعة ابستمولوجية مع الموروث الثقافي المؤَدلج؟ فلو بحثنا في الخطاب الثقافي والنقدي للمجلات العراقية أمثال مجلة الأقلام وأفاق عربية والطليعة الأدبية والثقافة الأجنبية، سنلاحظ أن الكثير من تلك المجلات الثقافية كانت تتحكم بإنتاج ثقافة إيديولوجية تخدم السلطة آنذاك وتحاول نشر وترويج كل ما يعبر عن إيديولوجياتها الثقافية ابتداءً من الشعر وانتهاءً بالنقد الأدبي الذي تحول هو الأخر إلى خطاب في إنتاج تقنيات الغموض الثقافي من خلال الترجمات الميكانيكية واللغة الآلية لكثير من المصطلحات الأدبية واللغوية والثقافية، إن هذه الترجمات عملت على إنتاج خطاب لغوي نخبوي بعيد كل البعد عن لغة الحياة اليومية وهموم الإنسان البسيط، لدرجة أن هذه المعارف فقدت وظيفتها الأساسية التي ظهرت من اجلها وهي الإنسان كما هو، عاريا عن كل المركزيات الذهنية والسياسية، الإنسان هناك الممتلئ بأتربة الوجود اليومي الذي هو وجود نحو السلطة. فمنذ اللحظة التي يتم فيها اختيار النصوص المعرفية وعرضها على الهيئة التحريرية من اجل ترجمتها من لغتها الأم إلى اللغة العربية انتهاءً بعملية طبع النصوص وتحويلها إلى ورق طباعي، يفقد النص عذريته المعرفية البريئة ليتحول إلى نص مختلف تماما عن صورته الأولى، ليكون نصا جاهزا لخدمة المعارف المؤدلجة والثقافات الغامضة. لذا كانت كل تلك المجلات الثقافية الأنفة الذكر، مجلات نخبوية تتحرك دائما في فضاء انطولوجيا الوجود الشمولي وليس انطولوجيا الوجود اليومي** الذي ذكرناه في إصدارات المجلات التقدمية التي كانت هي الأقرب إلى الواقع والتاريخ والحياة اليومية لثقافة وذهنية العوام، ويتضح ذلك من خلال نشرها للكثير من قصائد النثر بلغة الحياة اليومية وإشكاليات الوجود اليومي، التي تؤرخ لتاريخية الثقافة وليس لمفاهيم الثقافة، وهذا ينسحب أيضا على طبيعة المقالات الثقافية والفلسفية والسياسية، بل على مجمل حقول العلوم الإنسانية، حيث كانت اللغة المتداولة في ذلك المنشور تصرخ بالوجود اليومي وتعري مجمل قوانينه السلطوية التي كبلّت الأفراد بقيم وأيديولوجيات شمولية. فلا يمكننا تجاوز تاريخية تلك المجلات التقدمية في تشكيل خطاب، ثقافي، تاريخي يقوض الأنظمة الشمولية والدكتاتوريات السلطوية بكل أشكالها وصورها.
فكيف يمكن تشكيل خطاب ثقافي جديد للمنشور العراقي الراهن دون المساءلة الثقافية لمجمل الموروث الشمولي المتكون من مجلات ثقافية ونصوص معرفية كانت تجعل من الايدولوجيا الشمولية ثقافة مركزية معتمَدة في الدراسات الأدبية والنقدية إلى جانب الدراسات الأكاديمية والتعليمية؟ ألم يلعب ذلك الخطاب المركزي الشمولي دورا في إفراز طبقة ثقافية معينة لها اليد الطولى في نشر ما يحلو لها من نصوص ثقافية خدّامة لإيدولوجيا السلطة آنذاك واستبعاد كل الكتابات الثقافية المتعارضة مع طبيعة نموذج النص الثقافي الواحدي الذي يتكرر في كل مجلة ثقافية على اختلاف عناوينها، وهنا يحضرني نص الكاتب العراقي محمد علي مُحي الذي يلخص لنا دراما الثقافة الشمولية بقوله: ((كانت الصحف والمجلات في العراق تصدر بإشراف الدولة ورقابتها، وقد هيمّن عليها المقربين من السلطة ))(1). فلماذا لم تؤَسس إلى ألان ورش عمل فكرية ونقدية لتقويض تلك المرحلة الشمولية بكل أفكارها وأوراقها وكُتابها وإصداراتها بل حتى لصور أشكال طباعتها؟ لماذا بقيت هذه المرحلة منعزلة وبعيدة عن خطاب النقد الأدبي والدراسات الثقافية والعلوم الإنسانية؟ ولماذا نكتب عن حقول الدراسات اللغوية والنقدية بطريقة العرض ألمفاهيمي المجرد عن الإشكاليات الثقافية والتاريخية للحقب السياسية والإيديولوجية التي عاشها العراق ولا يزال؟ لماذا يصر الكثير من منشورنا الثقافي الراهن أن يعيد لأذهاننا تاريخ الثقافة الشمولية من خلال اعتماد نفس آليات النشر والكتابة والتفكير والتنظير إبان فترة هيمنة الثقافة السلطوية؟ وفيما يخص المجلات الثقافية التي كانت تصدر خلال حقبة النظام الشمولي والتي عاودت البعض منها إلى الإصدار من جديد وتنافس المنشور الثقافي الراهن، علينا أن نتساءل هل تغيرت آليات عملها، وهل تغيرت طرق ومناهج تفكيرها، أم إنها لا زالت تشتغل بنفس الآليات القديمة التي تمتاز بتزويق شكلها الأيديولوجي بأسماء وتيارات الفكر الغربي الراهن؟ وهل استطاعت أن تنتج لغة جديدة في الكتابة وإنتاج نص ثقافي مغاير للنص الثقافي الشمولي؟ ربما أن مجمل هذه الأسئلة وغيرها من الإشكاليات تمثل مجالاً لورشة عملنا، من اجل إنتاج خطاب دراسات ثقافية للمجلات العراقية، منطلقين من فهرسة عناوينها ومحاورها الثقافية ليس لكونها منشورا ثقافيا ونصا كتابيا فحسب، بل باعتبارها ظاهرة ثقافية متداخلة مع مجمل الأبنية الثقافية الأخرى، لاسيما الأنظمة الثقافية المتشكِلة مع الأنظمة الشمولية. وهذا بطبيعة الحال سيقودنا إلى تحليل مختلف أشكال الممارسات الثقافية للوجود اليومي للأفراد بشكل عام ولثقافة العوام بشكل خاص، تلك الثقافة التي لطالما تعرضّت للتهميش والإقصاء من قبل المثقفين ومحرري المجلات الثقافية والقيمّين على تقديس الأنظمة الشمولية والمتحكمين بنشر الخطابات الثقافية، التي أهم ما يميزها هو غياب مشروع علوم إنسانية واضح و ممنهَج يعتمد على التداولية اللغوية العملية، الأمر الذي جعلها اقرب إلى السلطة والأبعد عن الوجود اليومي، هذا الوجود الذي يجب إن لا نتمثله ونتخيله في مفاهيم العلوم الإنسانية بطريقة مجردة، متعالية بل على المنشور الثقافي الجديد إن يجعل من العلوم الإنسانية منهجا نقديا لمجمل تاريخية تمثلات وتصورات الإنسان العراقي وإعادة النظر في أشكال علاقاته بالعالم والأشياء المنفصلة عنه في الواقع الخارجي، بل عليه إن يحاول من خلال هذه المناهج، إعادة اكتشاف ذلك الإنسان في وجوده اليومي من خلال علاقته مع اللغة اليومية واستعمالاته لها، تلك اللغة التي لطالما أحكمت بقبضتها على وجوده منذ لحظة ميلاده وحتى موته لأنها كانت ولا زالت لغة السلطة والأمر بل لغة الموت اليومي للجسد.
أليس من الأجدر لمنشورنا الثقافي الجديد إعادة اكتشاف الذات والثقافة المحجوبة بمورث طويل من تاريخ السلطة الشمولية؟ وهل غياب فلسفات العلوم الإنسانية التي تعيد قراءة أشياءنا ومورثونا الثقافي والتاريخي، الإيديولوجي، الشمولي صار ثابتا ثقافيا لمعظم منشورنا الثقافي؟ وهل نبقى أسيري التقاليد الإيديولوجية في الكتابة والتفكير، في النشر والرد والحوار الخ... تلك التقاليد التي أصبحت بالية بلا مفهوم إشكالي ولا تخدم إلا السلطة والسلطان ؟ ولماذا يتكرر مشهد غياب الإنسان في ثقافتنا ومجلاتنا اليومية؟ بل لماذا لم تظهر لدينا مجلات تُعنى بالعلوم الإنسانية وبقضاياها وبمناهجها وبخطابها الإبستمولوجي الذي يُعيد اللُحمة بين النظرية والممارسة والفكر والواقع ؟
ربما كل ذلك من إشكاليات هو ما جعلنا نفتح سلسلة من الحوارات الثقافية، النقدية الرامية إلى مد جسور التواصل الثقافي، من خلال اعتمادنا على ترجمة مصطلحات العلوم الإنسانية واللغوية من لغة المفاهيم الاستاتيكية المجردة إلى لغة ديناميكية، تاريخية متغيرة، منطلقين من رؤية ما يُكتب ويُنشر في المجلات العراقية، أو المطبوع الثقافي، الورقي أو الرقمي، لتتأسس رؤيتنا من خلال خطاب العلوم الإنسانية والإبستمولوجيا من اجل تشكيل ما يُعرف بخطاب ثقافي للمجلات العراقية.

- في التحليل الثقافي لخطاب المجلات الثقافية
يعد التحليل الثقافي للنص ألطباعي والرقمي جزأً مهماً من مناهج العلوم الإنسانية عامة، ومناهج الدراسات الثقافية خاصة، فمن خلال تقنيات التحليل المتبعة في هذا الخطاب يمكننا رصد صيرورة المنشور الثقافي وتتبع انتقالاته النصية وتفرعاته واتصالاته من قريب أو بعيد بالأبنية الاجتماعية، الثقافية وبالخطاب السياسي المسيطِر، ذلك ما يساعدنا على ملاحظة حراك الخطاب الإيديولوجي بوصفه البعد ألزماني والمكاني الذي يشكل النص الثقافي. من هنا يكون التحليل الثقافي عاملاً أساسيا لتشكيل الأدوات المعرفية ،النظرية، غير المنفصل عن الوقائع الخارجية كما أسلفنا لأننا نتعامل مع التقنيات المعرفية، اللغوية، الثقافية كأدوات واستراتيجيات تهدف إلى تحليل وإعادة تشكيل الواقع الثقافي، لأنه وكما يقول الكاتب الانكليزي رايموند ويليامز: (( أي وصف نظري في تحليل الثقافة، لابد من أن يخضع لإعادة تشكيل واختبار، من خلال صيرورة التقدم لتحليل ما هو موجود في الواقع ))(2) .
يتضح من ذلك أن المنشور الثقافي ليس مؤسسة قائمة على الوصف النظري، منعزلة عن آليات وأدوات التحليل الثقافي وذلك لان الأعمال الثقافية في شكلها العام هي جزء لا يتجزأ عن عناصر الوجود اليومي، أي إننا أمام علاقة إبستمولوجية بين نظرية الثقافة وتحليلها، ذلك لان مفهوم نظرية الثقافة حسب ويليامز هو: (( دراسة الصلات بين أشكال الوجود العام للحياة، والتحليل الثقافي هو محاولة اكتشاف طبيعة المؤسسة الثقافية بوصفها البعد المعقد لتلك الصلات. أما تحليل طبيعة الأعمال الأدبية والثقافية والحراك الاجتماعي أو الثقافي فهو تحليل للبنى الأساسية الخاصة بها، وهو أيضا مجمل العلاقات البنيوية لتلك الأعمال والحراك الاجتماعي، المتجسدة كأجزاء في بنية المؤسسة الثقافية ككل))(3). هذا يعني من الناحية الإبستمولوجية أن خطاب التحليل الثقافي ليس مجرد نظرية كلية تُطبع وتُنضّد وتُنشر بطريقة ورقية أو رقمية وبالتالي فهي لا يمكن أن تكون مجرد مفاهيم متعالية بعيدة عن حركة المجتمع وصيرورة الناس البسطاء الذين هم من يُمثل روح الثقافات، فجوهر تعريف الثقافة الحقيقية: ((هي وصف للوجود اليومي الذي يعبر عن القيم والمعاني الراسخة ، ليس في الفنون والتعليم فحسب، بل في المواقف والسلوكيات اليومية والعادية أيضا))(4).
إن العلاقة الجدلية بين النص الثقافي المكتوب، الورقي والرقمي وبين الأطر الخارجية، التاريخية للوجود اليومي للفرد، تمثل كلاً بنيوياً متداخلاً من الناحية ألابستمولوجية والتحليل الثقافي. من هنا تتشكل محاولتنا في تحليل وإعادة قراءة النص الثقافي العراقي لما لها من أهمية من الناحيتين التحليلية والثقافية، وذلك على اعتبار أن كل نص منشور يحمل بين طياته روح وثقافة الشعب. فهل اقترب منشورنا الثقافي من كل ما ذكرناه أعلاه؟ وهل هنالك ثمة حاجة نظرية وابستمولوجية لنقد المكتوب المؤدلج الذي لازال يشتغل بآليات الثقافات الشمولية التي لا تؤمن بالتحليل الثقافي ونظرياته؟ والى أي حد استطاع المكتوب العراقي أن يؤسس لقطيعة ابستمولوجية عن موروثه الإيديولوجي؟ هل أن المكتوب العراقي الراهن يخضع لشروط الخطاب الميديائي الجديد كخطاب ثقافي وتحليلي أم انه لازال أسير تقاليد ميديائية مؤدلجة؟ وإذا ما بقي النص الثقافي مغلفَا بكفن الماضي الإيديولوجي، هل سيُكتب له الحياة وهل سيتمكن من البقاء وهو وريث ميدياء مؤدلجة. ربما كان تشخيص الكاتب الصحفي الأمريكي وليم هوبكنز دقيقا عندما قال: ((بعض المجلات تموت والبعض الآخر، بلا ادني شك، في طريقه إلى الدفن لأنها غير قادرة على التغيير والتكيف مع الأنظمة الميديائية الجديدة))(5).
من هنا تأتي أهمية العلوم الإنسانية وخطاباتها الابستمولوجية الرامية إلى نقد كل ما هو تقليدي زائل أو من هو في طريقه إلى الزوال في خطابنا الثقافي، لاسيما المؤدلج منه الذي لازال يتكلم بخطاب شعاراتي يقدِس كل ما هو سلطوي، شمولي، والذي يدعونا إلى نقد وتحليل لغته الشمولية.
- اللغة والخطاب في فضاء المنشور الثقافي العراقي
تمثل اللغة واستعمالاتها في الخطاب السلطوي جانبا رئيسيا ترتكز عليه مجمل تحليلاتنا القادمة، لاسيما عندما نشتغل على النص المكتوب، بطبعتيه الورقية والرقمية. حيث من الملاحظ أن استعمالات اللغة في سياقات ثقافتنا المتداولة، تحمل تاريخا طويلا في إعادة إنتاج صور وأشكال الرعب، وذلك يتضح من خلال الوظيفة المؤدلَجة للغة ومعانيها ومجازاتها المختلفة. إن صور الرعب تلك تتشكل عِبر ما يسمى بعودة المكبوت السلطوي على طريقة بعث الروح (الفرانكشتانية)(6)، تلك الروح التي تعيد إنتاج الشخصيات المحوَلة بطريقة آلية والقادرة على إعادة إنتاج تاريخ الرعب المحلي كما يفعل سياسيونا اليوم!
إن صور وأشكال الرعب المحلي المنتَج من قبل الساسة اليوم تحول إلى انساق من العلاقات السلطوية التي هي عبارة عن مجموعة من العلاقات اللغوية، بمعنى أن اللغة تُمأسِس الحياة اليومية بروتين سياسي من التداول اللغوي واللساني الذي يعمل على أعادة إنتاج هياكل وأبنية الثقافة الشمولية التي لا يمكنها أن تشكل التاريخ والأشياء إلا من خلال السساتيم الاجتماعية والثقافية بوصفها انساقا لغوية تُصَنِف وتُهيكِل وتَفرز وتُسمي الوجود اليومي ليتحرك على طريقة الوجود الشمولي. ربما أن هذه اللغة بمجمل ترميزاتها الثقافية هي اللغة التي نتكلمها ونعيشها كوجود يومي بل إنها اللغة التي تشكل تاريخ الذهنيات الذي يصب في مصلحة تاريخ الأيديولوجيات لان الأيديولوجيات، في النهاية، هي مجموعة من الممارسات الذهنية للأفراد بوصفها ممارسات زائفة تُحنِط الوعي بأنساق سيكولوجية تقدس السلطوي في حضوره وغيابه بل تتلبس بكلمات وشعارات وانساق تعبيرية ولغة يومية وأشكال ترميزية. إن كل أشكال وأنماط الثقافة الشمولية حولّت الأفراد إلى كيانات تهذي وتقدس السلطة في تكية الأولياء ومعبد الثقافة ومحراب المثقفين. هكذا تغدو اللغة ليست فقط ممارسة اجتماعية بل أنها كولونيالية ثقافية تتحرك من خلال امبريالية المعاني الراسخة والكتابات الخالدة، أنها لغة تتنفس من خلال ألآم أجسادنا اليومية، وتختزل وجودنا بين شهادة الميلاد ودفتر الخدمة العسكرية، ووثيقة التسريح كشهادة من قبل الأنظمة الشمولية بأننا نحمل منذ الآن درجة الكفاءة الكاملة في ممارسة حق الكلام الشمولي بمعزل عن معسكرات الجيش وساحات التدريب ووحدات القتال ومقولات نواب الضباط وضباط الصف وكلمات الجدران المكتوب عليها عبارة "عرق التدريب يقلل من دماء المعركة".
هذه هي لغتنا لغة البسطال والنطاق واللون الخاكي ولغة البيرية الحمراء والسوداء وربما الخضراء، كل لون له فوبيا خاصة من الخوف والرعب والارتعاش، فالأحمر يرمز للانضباط العسكري، وما أدراك ما الانضباط العسكري! هي تلك المؤسسة القمعية التي عملت على تدجين أجسادنا وجعلها أداة طيّعة في يد السلطة الشمولية بل إنها المؤسسة التي مارست القمع بطريقة منتظمة من خلال المراقبة والمعاقبة لأولئك المتخندقين في ثيابهم العسكرية، الحالمين بأمل العودة إلى بيوتهم بعدما امضوا أياما وليال في جبهات القتال ومراكز التدريب وممارسات التعذيب وأشكال لامتناهية من القتل والتذويب، هؤلاء هم من ينتظرهم الانضباط العسكري ليُعمِد نماذجهم العسكرية وليلعن كل من لا يحمل ذلك الأذن المقدس ليُصَنف كهارب من الخدمة العسكرية، فتطبق بحقه أبشع وأقسى أنواع العقوبات، ربما أبشعها بتر جزء من أعضاءه الجسدية وحرمانه من حق الكلام والتأويل وإعطائه حق الإصغاء والإذلال، انطلاقا من الحكمة الشمولية الخالدة "نفذ ثم ناقش" أو ربما عليك أن لا تفكر بالمناقشة إطلاقا!
أليست تلك هي لغتنا، لساننا، أصواتنا، صراخنا، أليست هذه هي قواعدنا ومنظوماتنا النحوية وممارساتنا اللغوية؟ هذه هي لغتنا المحرمَة من النقد والتي يقدسها كل من يريد أن يبقى بمنأى عن السلطة ونقد السلطة لان نقد تلك اللغة هو بداية لنقد كل أشكال الأنظمة الشمولية، لذا ترى الكثير من الكتاب بل حتى الأكاديميين يبذلون كل ما في وسعهم للحفاظ على تاريخ البلاغة المؤدلَج ويحصرون أنفسهم ببحبوحة معرفية تضمن لهم حق الامتيازات والترقيات الأكاديمية، فعلى حد تعبير الفيلسوف الفرنسي آلان تورين: (( ليس العلماء أو جميع فئات الكتبة عقولا بحتة تطفو على صفحة المعمعة، ولا أرباب أيديولوجيات. فهم يرتبطون بالطبقة القائدة بالمقدار الذي تسيطر فيه على منظومة العمل التاريخي والمنظومة السياسية وتولي الأفضلية لبعض مجالات البحث، وهم مرتبطون كذلك بمقدار ما ينتمون إلى أجهزة تتصل مباشرة بالطبقة القائدة))(7). ويواصل تورين نقد ظاهرة استقلالية الخطاب العلمي والأكاديمي الذي يدّعي الموضوعية ويرفض كل التحولات الأيديولوجية والسياسية، فيرى أن طبقة العلماء والأكاديميين ليسوا : (( فوق المعمعة الاجتماعية والسياسية، ولا يقتصر عملهم في الوقت نفسه على إيديولوجية الفاعلين المجابهين. إن العلماء يجدون أنفسهم على الدوام في موقف زائف فهم يدافعون عن استقلالية المعرفة العلمية ضد الضغوط الإيديولوجية))(8). فهل هنالك علاقة جدلية بين البلاغة السياسية الشمولية وطبقة المثقفين والعلماء والكُتاب، طالما هم يحتمون بالمعرفة العلمية المؤدلجَة ويتعالون على المعرفة المرحة على الطريقة النيتشوية؟ وهل هناك ثمة تواصل ابستمولوجي بين البلاغة السياسية وبين كل من البلاغة الثقافية، التعليمية والأكاديمية؟ من خلال هذه الترسيمة العلائقية تتحرك اللغة كمنظومة أيديولوجية متجسدة ومشخّصة في الكلام كحضور ابستمولوجي في الموقف الثقافي والتاريخي للمتكلم أي أن اللغة ثقافة والثقافة لغة، واللغة موقف متعين كوجود مؤكد في العالم اليومي. لكن اللغة هنا هل هي مجرد ممارسة اجتماعية؟ وهي لا تظهر في خطابنا الثقافي إلا "كممارسة حكوماتية" على حد تعبير ميشيل فوكو(9) بمعنى إنها ممارسات سلطوية تَستبطِن مجمل نماذج وبردايمات الوجود الثقافي لتقوم بتحويل النماذج النظرية للثقافة إلى ممارسات يومية. بهذه الطريقة تتحرك البلاغة المؤسسية على حد تعبير تورين، الذي ينظر إلى البلاغة كثقافة إيديولوجية في يد الطبقة المسيطِرة، حينما يصف لنا المعنى الابستمولوجي للبلاغة السياسية فيرى أن ما((ينجم عن استقلالية المنظومة السياسية أنها تمتلك عملاء خاصين يجهدون في استنباط دور للمنظومة السياسية "لا تملكه" ،فالمشرّع يُضحي أصل كل شيء، والسياسي يحكم الاجتماعي))(10).
إذن لولا وجود هذا المشّرع كيف يمكن للمنظومة السياسية أن تشتغل؟ وهل يمكن لها أن تتجسد على ارض الواقع دون وجود للمشرّع وللبلاغة المؤسسية؟ يرى تورين أن العملاء الخاصيّن بإنتاج وتشريع البلاغة المؤسسية لعمل المنظومة السياسية يبدون مستقلين ظاهريا عن عمل تلك المنظومة لان هنالك بلاغة جديدة ستولد من العملية السياسية المسيطِرة، وهذا ما يوضحه بقوله: ((إن كل منظومة تَنزع إلى إنتاج مقالة ثانية سوف اسميها بلاغة وهي تُضفي على المقالة العملية وحدة مصطنعة ومهمة في ألان نفسه التي يطلقها أرباب البلاغة على منظومة عمل تاريخي وصلات طبقية))(11). من هنا يتضح كيف أن المنظومة السياسية تقوم بإنتاج بلاغة تمثل منظومتها لكنها منطلقة من البلاغة الأولى التي أنتجها العملاء المختصون بوظيفة التشريع للمنظومة السياسية المسيطِرة، وبهذه الطريقة تعمل المنظومة السياسية كوجود ثقافي وحضور سياسي وقانوني مهيمن. لكن من هم هؤلاء الذين يصفهم تورين "بأرباب البلاغة" هل هم المثقفون والأكاديميون والكتبة والمتعلمون؟ يقول تورين إن : ((أرباب البلاغة في مستوى المنظومة المؤسسية هم علماء القانون الذين يجهدون، عبر تكرار لا ينقطع، في التعبير عن وحدة روح التشريع. فهم يتحدثون عن الإجراءات والحقوق الطبيعية والمساواة وحماية الأقليات. إن عملهم مفيد لأنه يرمي إلى إضفاء التناسق على عمل المنظومة المؤسسية والى إيضاح بعض خطوط التطور))(12). هكذا تتكشف خيوط العلاقة البنيوية بين أرباب البلاغة وأرباب السياسة، المهيمنين على الطبقة القائدة، على اعتبار أن أرباب البلاغة هم في المحصلة النهائية، أدوات في خدمة الطبقة المسيطرة، حيث: ((لا تتمثل بلاغة القانونيين مجرد ترجمة لإيديولوجية الطبقة القائدة، إن عملهم يهدف اقل ما يهدف إلى العثور خلف التعقيد التاريخي للمقالة المؤسسية على وحدة إيديولوجية الطبقة القائدة، وأكثر ما يهدف إلى استنباط وحدة من المقام الثاني ومجموعة من التعقيلات توفر الشكل والطقوس والتكامل لعناصر متباينة))(13)، حيث لا ينحصر عمل رجال القانون في مجال التشريع القضائي والمدني فحسب، بل أن عملهم يمثل جسد الخطاب السياسي وحراكه اللغوي، فهم-حسب رؤية تورين-يعلقون قدرا (( من الأهمية على الصيغ ويستنبطون لغة تتميز باستمرار عن لغة الممارسات الاجتماعية ويخصون أنفسهم بعلامات وطقوس وإجراءات تهدف إلى إبراز المسافة التي تفصلهم عن الممارسة الاجتماعية. والرأي العام دائم التأثر بهذه الاستقلالية وباعتباطية الصيغ القضائية وغالبا ما يسره أن يرى فيها أداة للمصالح الخاصة بالقانونيين أنفسهم. ولعله من الخطأ أن نخلص من ذلك إلى الفصل الجذري بين العناصر التي ميزنا بينها منذ قليل. فبلاغة القانونيين لا تنفصل البتة عن إيديولوجية الطبقة المسيطرة وهي إلى ذلك خاضعة لمضمون المقالة المؤسسية التي تؤدي بها إلى التحول المستمر مع الاحتفاظ بهويتها في ألان نفسه))(14).
يتضح من كل ما سبق، أن اللغة التي نعمل على تحليلها هي لغة تتداخل مع تقنيات السلطة وشبكات المعرفة المنتشرة بين مفاصل الوجود اليومي، بمعنى أن اللغة النظرية بمفهومها الفلسفي والتقني لا تدخل ضمن دائرة تحليلاتنا الثقافية، التي ستنصب بالدرجة الأولى على تلك اللغة التي تتحرك بين الأطر الأكاديمية والتعليمية إلى جانب الأطر القانونية لتستقر في المعرفة السائدة للمجتمع، وخطاب المنشور العراقي، وذلك لأنه لا يمكن ((دراسة اللغة كنظام مغلق وكممارسة تقنية في التواصل، لأنها تتموضع في ذلك العالم الكبير الشامل لمجمل العلاقات السوسيوسياسية المتداخلة مع نظام التواصل المتداول))(15). وهذا ما سيقودنا بالضرورة إلى دراسة العلاقة بين اللغة والسلطة من جانب، وبين اللغة والخطاب كممارسة اجتماعية من جانب آخر، حيث نلاحظ أن هذه العلاقة لها من الأهمية الابستمولوجية الكبيرة في دراسة المكتوب العراقي، إلى درجة انه لا يمكن تحليل النص الثقافي دون رصد هذه التمفصلات على جغرافية جسده، لان مجمل صيرورة هذه العلاقات متداخلة أيضا مع الوجود الثقافي لحركة المجتمع، الذي لا يمكننا إن نفهمه هو الآخر دون تحليل اللغة والخطاب. وعندما نتأمل هذا النص الذي يعطينا الترسيمة الابستمولوجية لما ذكرناه أعلاه: ((اللغة كشكل من أشكال الممارسة الاجتماعية تعني أولا: أنها جزء من المجتمع غير منفصلة عنه وثانيا: أنها مجموعة من الممارسات الاجتماعية وثالثا: هي شرط أساسي في كل العمليات الاجتماعية))(16). نلاحظ انه يضعنا في قلب الممارسة التواصلية، الاتصالية التي تتم بين الأفراد الذين يستعملون اللغة اليومية، على اعتبار أنها شكل من أشكال الممارسة الاجتماعية، وهذا بالضرورة سيؤدي إلى وصف الخطاب والتواصل الثقافي، والكيفية التي يتشكل بها على صفحات منشورنا الثقافي. إذن كيف يمكن للنص الثقافي المنشور أن يتفاعل مع الممارسة اللغوية بوصفها ممارسة ثقافية؟ وكيف للمنشور الثقافي أن يُكتب، هل يُكتب بلغة مستقلة عن قوانين اللغة المتداولة؟ وهل للمنشور الثقافي علاقة مع الاستعمالات اليومية للغة والخطاب؟ هل يمكننا أن نتصور لغة منشور ثقافي بمعزل عن جسد الانسان و لسانه وتعبيره؟ ((فاللغة دون تعبير الإنسان لها لا يمكن أن نتخيلها))(17)، إضافة إلى أن كل من اللغة والتعبير في الممارسة الاجتماعية ضمن الشروط التاريخية يشكلان معا فضاء الكلام اليومي واستعمالات اللغة كخطاب ثقافي. وهذا ما سيؤدي بنا إلى تسليط الضوء على العلاقة ألابستمولوجية بين استعمالات اللغة اليومية كبردايم من التواصل الثقافي والاجتماعي وأشكال الخبرة الزمنية المتحكمة في عملية السمع والكلام.
- اللغة بين سلطة الزمن وهيمنة الأسلوب
إن العلاقة الابستمولوجية بين تلك الأبنية الثقافية هي التي تحدد شكل وطبيعة اللغة التي نحاول وصفها ودراستها على اعتبار أنها تمثل المؤسسة السلطوية المهيمنة على نموذج انطولوجيا الوجود الشمولي المتحكم في إنتاج أشكال التواصل الكلامي وأشكال الشفرات الثقافية كرسائل بين المتكلم والسامع في فضاء الوجود اليومي بوصفه وجودا عاما محكوما بأكثر من منظومة لغوية مؤدلجة. الأمر الذي يدعونا إلى اختبار وإعادة نظر ونقد لمجمل صور التواصل اليومي والتواصل الاجتماعي لكونه تواصل لغوي محكوم بالإرث الشمولي والزمن السلطوي الذي هيمن على ألسنتنا وعقولنا فكل ((من المتكلم والسامع يستدعيان الأزمنة الثقافية والأيديولوجية لاستعمالات اللغة في داخل السياق الاجتماعي))(18). هنا تشكل الأزمنة البعد الثقافي الذي يُستبطن في السياق الاجتماعي، لكنها ليست تجارب تأريخية، أي ليست مراحل زمنية منفصلة عن لساننا، بل على العكس من ذلك، إنها "زمن ذهني" حاضر ومتجسد في مختلف أشكال ممارساتنا اللغوية والثقافية، بل انه زمن مسخنا إلى كائنات فصامية، تعيش دوما في حالة اضطراب لغوي وفوضى المعاني الفائضة والأفكار المشوشة، هذا هو الزمن الذي يحتاج منا أن نقوضه ونعيد قراءته، لأنه تحول إلى لغة، ثقافة، ممارسات اجتماعية ومجلات ثقافية لازالت تكتب بأسلوب اللغة الشمولية. فكيف يمكن أن نفكر بلغة خارج أسوار نظامها الشمولي؟ هل يمكن أن نعيد تشكيل لساننا الثقافي؟ وهل يمكن ألكتابة بمعزل عن الأسلوب والماضي باعتبارهما الأطر القبلية لأفكارنا وسلوكنا وكتاباتنا الثقافية؟ لكن ماذا نعني بالأسلوب؟ وما هي علاقته بالمتكلم؟ كيف يمكن للأسلوب أن يتحول إلى مؤسسة اجتماعية؟ وهل يمكن أن نفكر ونعقل الأشياء والعالم بمعزل عن الأسلوب؟ ما هي العلاقة الابستمولوجية بين الأسلوب والكلمات واللغة ؟ وهل الأسلوب قادر على أن يحدد شكل معارفنا الثقافية أم العكس؟
الأسلوب هو النموذج الثقافي الذي يهيمن في كل عصر ويميز كل مرحلة ثقافية عن الأخرى، هذا النموذج بدوره يعمل على إضفاء صفات وأشكال وملامح جسدية وممارسات لغوية تحدد طبيعة تفكيرنا الذي تحول بدوره إلى مؤسسة ثقافية نتيجة لتحول كلماتنا إلى مؤسسة اجتماعية وتواصلية تفرض علينا حق اختيار الكلمات المتمأسسة والأفكار المؤدلجة، مما يعني بلغة الابستمولوجيا ((أن إمكانية اختيار المتكلم في عملية إنشاء وصياغة الكلمات والأسلوب تنتج في اللحظة التي تتموضع فيها أفكاره ومشاعره في لغة نحو الآخر، وكي تتحقق هذه اللغة، يجب أن تتشكل في أسلوب معين. لان اللغة تشمل كل من المرجع أو الإحالة والواسطة العلائقية من الاتصال في آن واحد. فمن خلال مظاهر الإحالة المباشرة، يستطيع المتكلم أن يحيل إلى الأشخاص والأماكن والأشياء، هذا من جانب ومن جانب آخر، تشير مظاهر الإحالة غير المباشرة إلى الصلات بين المتكلم والسامع. من كل ذلك نصل إلى أن أسلوب المتكلم هو في النهاية، صورة تواصلية تتشكل من سلسلة خيارات الإحالة الكلامية المختومة بزمن متشمِع مع كلماته، مجتمعة مع العلامات الشفوية ليؤسسان معا علاقات سايكواجتماعية بين المتكلم وجمهور العوام))(19).
من هنا نصل إلى أن الأسلوب هو البنية أو البردايم الذي لا يمكن تمييزه ومعرفته دون وصف النظام و السستام الذي يعمل بطريقة نحوية وقواعدية في فضاء المجاميع الثقافية للجمهور والعوام. وعليه تغدو اللغة الوجود الثقافي الذي يعمل على إعادة تشكيل المعاني المتضمنة في نسق من القوانين والقواعد في انطولوجيا الوجود الشمولي، ذلك الوجود الذي تحول إلى انساق حاضرة في العالم اليومي من خلال سلسلة من المعاني الماضوية ومجموع الكلمات والعبارات المتداولة. هذا يعني من الناحية الابستمولوجية أن مجمل أنظمة المعاني المهيمنة على يوميات الوجود التقليدي ليست بالضرورة متمثلة كوجود موضوعي مستقل عن الذات بل إنها على العكس، مجموعة من القواعد والأوامر والقوانين المتعالية على الوجود الثقافي، تعمل على أدارة كل شيء من خلال حضورها كأنساق نمطّت الذهنيات بمبادئ دوغمائية وممارسات بيداغوجية وأخلاق أيديولوجية وقيم سلطوية، فأصبحت حضورا لسلطة الغياب وغياب السلطة، أي أنها بكل بساطة، أشبه بالقبعة الملتصقة برأس كل واحد منا، ولا يمكننا ألخلاص منها.
- من مفهوم الخطاب إلى تحليل الخطاب:
بعدما استعرضنا بنية وانطولوجيا الوجود الشمولي بوصفه نسقا سلطويا يهيمن على كافة أنماط وأشكال الممارسات الثقافية والأخلاقية على اعتبار أنها تمثل مجموعة من الأطر الرمزية المجردة والقبلية، المتحولة إلى بنى إيديولوجية ومقولات ثقافية تتكون من الممارسات اليومية للكلام واستعمالات اللغة البيداغوجية، والتي تعمل على إعادة إنتاج المعاني والأشكال الأخرى من التداول اللساني الماضوي مما جعل صيرورة المعاني ليست فعلا ثقافيا، وإنما تذكر للأزمنة الذهنية. كان من الضروري اعتماد منهجية تحليل الخطاب، لما له من أهمية ابستمولوجية لوصف ظاهريات اللغة من خلال ارتباطها بالمؤسسة الاجتماعية كنسق ثقافي عام يتحكم في عملية فعل الكلام وإنتاجه.
يشير مفهوم الخطاب إلى: (( مجمل مظاهر تنظيم اللغة (سواءً كانت بنية أو لم تكن) التي تشتغل على مستوى أعلى من قواعد اللغة، أو بشكل أدق، يشير مفهوم الخطاب إلى مستوى من الوصف الذي يرتبط بذاته مع بنية فعل الكلام))(20). أما فيما يتعلق بمفهوم تحليل الخطاب، فهو حقل معرفي (( يشتغل على دراسة العلاقة بين اللغة والسياقات التي يُستعمل فيها، شاملا لحقول معرفية مختلفة - بعدما اتسعت مجالات تخصصه منذ الستينيات وحتى بداية السبعينيات- أمثال علوم اللغة والسيميوتيكس و علوم النفس السايكولوجية والانتروبولوجيا أو علم الإنسان والسوسيولوجيا أو العلوم الاجتماعية. لذلك عمد المشتغلون على تحليل الخطاب إلى دراسة كل من: اللغة في سياق استعمالها اليومي والنص المكتوب بكافة أشكاله و بيانات المتكلم بدأ من ابسط أشكال الحوار، وانتهاءً بأعلى مستويات عمليات تحول الكلام إلى مؤسسة ثقافية تُمأسس مختلف أشكال النظم الاجتماعية للحوار))(21).
من هنا تتضح لنا العلاقة البنيوية والابستمولوجية بين كل من المتكلم والسامع والأشكال التواصلية الأخرى، إلى جانب السياقات السوسيولوجية والثقافية التي تمثل بمجملها الأجزاء الرئيسية في تحليل الخطاب الثقافي واللغوي، لاسيما في خطابنا وتقاليدنا الكلامية وطقوسنا اليومية. فكل هذه الأشكال هي ممارسات لغوية تُسمي الأشياء ولا تُظهرها، تُشير إليها ولا تعنيها، فالعالم بالنسبة للباث والمتلقي هو الغائب الحاضر في دورة الزمن الأبدية، والمنطوق بين طيّات لساننا في آن واحد، ((فالكلام بوصفه حضورا في القصة والشعر، أو التراتيل يصوغ عالما آخرا من الأشياء والحيوانات والبشر وغيرها من الموجودات، ليهبها اسما وعالما لم يظهرا بعد))(22).
مما ذكر آنفا نصل إلى أن اللغة بوصفها ممارسة اجتماعية أو ثقافية، يمثل الخطاب الجسد التداولي والاستعمال الزمني والتاريخي لها، وهذا هو الجزء الإشكالي لمحاولتنا، أي كيف لمجموع تلك الممارسات اللغوية وتحليل الخطاب أن تكون في الواقع وخارج الواقع؟ كيف يمكن أن تتصالح العلاقة الابستمولوجية بين النظرية والواقع، أي بين المفاهيم والأشياء؟ وإلى أي حد عملت السياسات الشمولية على تحويل الأشكال النظرية للغة إلى ممارسات سلطوية تخدم الأيديولوجيات المسيطرة؟ والى أي حد يمكن أن نتكلم عن تواصل ابستمولوجي بين لغة المكتوب الثقافي العراقي ولغة الوجود الثقافي اليومي؟ وهل نجح المنشور الثقافي العراقي في إحداث قطيعة ابستمولوجية مع مجمل أبنية وأشكال الثقافة الشمولية؟ هل ما زال المنشور الثقافي العراقي يتعامل مع كل من الثقافة بوصفها مجموعة مفاهيم مجردة، ومع مناهج العلوم الإنسانية بوصفها مجموعة نظريات ومفاهيم معرفية متعالية، منفصلة عن الوجود اليومي؟ وهل سيبقى عمل المؤسسات الأكاديمية والثقافية محدد في إحصاء تلك المناهج والترويج لإيديولوجياتها الغربية؟ هل نجح النص الثقافي العراقي في إعادة اللُحمة بين النظرية والممارسة، بمعنى آخر، هل نجح في تشكيل لغة للجميع وليس لأحد على حد تعبير غرامشي؟
-من تحليل الخطاب إلى الممارسة الميديائية
كل هذه التساؤلات وغيرها، نطمح عبر هذه المحاولة إلى أن نؤسس عليها مجمل رؤيتنا و قراءاتنا للمتن العراقي المطبوع بشكله الرقمي و ألطباعي الورقي وما شابه، لان كل هذه الإشكال التواصلية تمثل في حقيقة الأمر سساتيم الأنظمة الميديائية التي تشتغل عليها أجهزة الإعلام وخطابات الصحافة، وهي في واقع الأمر تمثل الجسد التاريخي الناقل لمجمل أشكال وصور المعرفة التواصلية والاتصالية، وهذا بالطبع هو جزء بسيط من تعريف مصطلح الميدياء الذي يعمل على تحويل المعرفة الالكترونية إلى أنظمة لغوية، نحوية، علاماتية تبرمج وتنمّط المجتمعات الإنسانية بنوع واحدي من الثقافة واللغة والاتصال، الأمر الذي يجعلها قادرة على برمجة كل شيء تبعا لمصالحها الخاصة ومصالح القادة والأجهزة السلطوية التي هي في نهاية الأمر الجهة التي تصب في مصلحتها عمل الأجهزة الميديائية.
من هنا تصبح الميدياء رسالة على حد تعبير مكلوهان (23)، وهذه الرسالة تحولت إلى لغة، كلام، خطاب وممارسات وجودية وأبنية ثقافية، بل إنها باتت تمثل مجمل الثقافة اليومية التي تحيط بالأفراد من كل مكان فلا مفّر من هيمنة الميدياء. لكن علينا أن نتساءل هنا، كيف تعمل الرسالة الميديائية في ظل النظام الشمولي؟ وما نوع الثقافة التي روجّت لها؟ وأي نظام لغوي هيمّن على مجمل الأشكال الثقافية اليومية؟ وأي مفردات، كلمات وتعبيرات لغوية وخطابات أيديولوجية تبثها تلك الرسائل الميديائية، تحول السلطوي إلى تابو مقدس وقيم ثقافية وأخلاق رمزية؟
في الواقع لا يمكن ألفصل بين السياسة بطبعتها الشمولية واللغة بثوبها السلطوي والأش

التبويبات

3 Comments

  1. Image

    Donec sed odio dui. Nulla vitae elit libero, a pharetra augue. Nullam id dolor id nibh ultricies vehicula ut id elit. Integer posuere erat a ante venenatis dapibus posuere velit aliquet.

  2. Image

    Integer posuere erat a ante venenatis dapibus posuere velit aliquet.

قم بتسجيل الدخول لإضافة تعليق