لا أدري لماذا أكتب عن هذا المكان الذي منه جئت الى هذا العالم المسكون بجراحي النازفة ، ولماذا أكتب اليك بالذات، عن مكان لا تعرفه، واذا عرفته لا تألفه قد تحس بروعة الجمال الوحشي، وأنت ذو الأحساس المشبوب والروح المنطلقة من أسارها الشاردة في اتاويه الكون القصية ، واني أعرف ايها السومري الآتي من قلب التاريخ أن جراح روحك غائرة في متاهات هذا التاريخ الذي هو كيانك، الحزن الجميل، وأني أعرف كذلك أن عالمك هذا هو عالم الروح والعقل عالم لا فواصل فيه ولا حدود بل هناك وحدة شاملة كاملة ، فإنه اذا ما اطربك خرير جدول فإنما يطربك خرير الحياة في داخلك واذا ما ابهجك منظر مرج زاه ، فإنما يبهجك زهو الحياة في قلبك ، واذا ما اثملك عبير زهرة ، فإنما يثملك عبير الحياة فيك لا في الزهرة ،وذلك لأن أنفاس الفضاء تمرح في حنايا ضلوعك فكأنك نبي اور شع نوره من افق بعيد على هذا العالم الغارق في سكونه الأبدي، هذا محجي اليك فما هو محجك إلي؟ وهذه القرية ناعور فينيسا الأردن التي تغفو على كتف الوادي في دعة وسكون أبدي تحضنها هضبتان عن اليمين والشمال والمنازل الطينية تتناثر في وحشة وتمرد هنا وهناك على حفافيها وبين منكبيها وفي قلبها الملتهب بنار الوجد والحب والكره والبغض يتجاور مسجدان قديمان علت مئذنتهما الى عنان السماء، وشاع في فضائهما الإيمان والزهد والخوف والرهبة، وهناك على الجانب الآخر كنيسة رومية تأخذ بلب الناظر اليها من بعيد أما اذا دلفت الى داخلها وسرحت طرفك في ظلال رسومها وفي فسيفساء سقفها وانحناءات أقواسها وروعة نواقيسها وأزكمت أنفك برائحة الند والبخور ورأيت الغيد الحسان وهن في تأوه الحيران يرفعن صلواتهن في أنين وحنين يبكين تارة ويبسمن أخرى عن وجدهن المشبوب وقلوبهن التي علاها الوجل فإنك ياصديقي ستجد ذاتك وقد صفت وروحك وقد رقت وحايتك وقد هانت ونفسك وقد سمت، هنا الفرح بالحياة وهناك السكينة والدعة.وأناس هذه القرية بين طالب دنيا وطالب آخرة ، وكل فرد تتجاوب نفسه بين هذين الحبلين المشدودين على هاوية نفوسهم المعذبة . القرية فيها نقلة بين البدو والحضر ، بين الخشونة الزاهدة الصلبة القاسية والإيمان ،و بين الترف الناعم الهائم في أوداء القداسة الشهوانية ولهذا جاءت مزيجا بين الطرفين المتباعدين ومساق الحياة فيها ، وكانت روحها مسرحا لهذه المأساة ، هذا الأزدواج المتوتر العنيف في طبيعتها ، وبهذا الأستقطاب طبعت نفوس ساكنيها ، ففي كل روح تسكن طبيعتان متعارضتان ، احداهما تتلمس غذائها من قوت الحواس والأخرى تستشرف قوت القلوب ، ولن تستطيع احداهما القضاء على الأخرى بل سيظل التعارض قويا عنيفا ، وفي عنفه يقوم ذلك التوتر الحاد الذي يجعل من حياتهم مصدرا للتشويق لا يقل أهمية عن نفوسهم الملتهبة تلك.وأنا ابن هذه القرية غارق في الجانب الأقصى أشيع سؤر التوتر الحي المتوثب في عيناها الواسعتان اللتان تمدان الظل الى حفافي الوجود .
التبويبات
Donec sed odio dui. Nulla vitae elit libero, a pharetra augue. Nullam id dolor id nibh ultricies vehicula ut id elit. Integer posuere erat a ante venenatis dapibus posuere velit aliquet.
Nullam id dolor id nibh ultricies vehicula ut id elit.
Integer posuere erat a ante venenatis dapibus posuere velit aliquet.