ازدهار النجف السياحي في العصر الجاهلي

2/15/2012
صورة اللوح

بين المكان والعلم جدلٌ يصعب في كثير من الأحيان تفسيره ، جدلٌ شديد التعقيد ، فكأنهما حلقة أو كالحلقة لا تعرف بدايتها من نهايتها . حينا تجزم أو تكاد أن المكان يصنع العلم ، وحينا تعتقد بنقيض ذلك ، فتقول بأن العلم هو الذي يصنع المكان . وحينا ثالثا تأسرك دوامة الحيرة ، فتختلط عليك الرؤية وتغيم .
من يصنع الآخر ؟ سؤال شائك ؛ لكن الذي لا شك فيه هو أن بعض الأماكن كانت على مدى التاريخ عواصم للعلم ، وأن العلم أرتبط أبدا بأماكن بعينها .
وليس بالإمكان في هذا السياق القفز على علاقة السياسة وأمور أُخرى كالاقتصاد والعمران بثنائية المكان والعلم ، فللسياسة – دون ريب – دور لا يستهان به في التأسيس للعلم وللمكان معا ، على أن ذلك لا يعني أن غياب السياسة يفقد المكان أهميته ، أو يفك ارتباطه بالعلم أو يمحو العلم أو يؤدي إلى غيابه أو انحساره .
وإذا ما أردت شاهدا قريبا على المقولات السابقة فخذ النجف الأشرف مدينة تاريخية مقدسة وحاضرة علمية ودينية عريقة ، نشأت في أواخر القرن الثاني للهجرة على حافة الهضبة الغربية من العراق جنوب غرب العاصمة بغداد بحدود 160 كم ، وترتفع فوق مستوى البحر بـ (70م) ويحدها من جهة الغرب بحر النجف ، وتحده من الغرب والشمال الغربي المملكة العربية السعودية ، وهي وريثة للكوفة عاصمة الدولة الإسلامية أيام حكم الأمام علي بن أبي طالب (ع) ، وظل وهج الإسلام يشع منها ليومنا هذا ، ذلك الوهج الذي صنع أماكن أُخرى كالبصرة وبغداد وغيرها . فللنجف أسماء كثيرة أخذت من المكان ، فأسمها عند أهل اللغة تعني التل والمكان الذي لا يعلوه الماء وتعتبر كمسناة تمنع ماء السيول أن يعلو منازل الكوفة ومقابرها . وتعني أيضا الغري ، إذ قال الحموي : يجوز أن يكون هذا الاسم مأخوذا من أنه الحَسين في كل شيء أو من مادة الغراء كناية للصومعتين الذي بناهما أحد ملوك الحيرة والمطليتان بهذه المادة . كما لها أسماء أُخرى على أساس المكان والتي منها الجودي واللسان والربوة والطور والغربي وظهر الكوفة وفيها مقابر آدم ونوح والأمام علي عليهم السلام وقبر هود وصالح وقيل أيضا أن مرتفع النجف هو بقايا جبل قديم الذي قصده أبن نوح في قوله تعالى : سآوي إلى جبل يعصمني من الماء . وأن هذا الجبل كان متصلا بالشام قبل انهياره . أن موقع النجف هذا أهلها أن تكون مدينة مهمة يؤمها كثير من السياح لاعتدال مناخها وجمال أوديتها ووفرة الصيد فيها ، إذ كانت في العهد الجاهلي متنزها لملوك الحيرة اللخميين . بشهادة قصيدة إسحاق إبراهيم الموصلي المتوفى سنة235 هجرية التي مطلعها :
ما أن أرى الناس في سهل ولا جبل
أصفى هواء ولا أغذى من النجف

لقد ازدهرت النجف الأشرف في القرن الخامس وما بعدها حتى منتصف القرن التاسع ازدهارا منقطع النظير من حيث العمران والتجارة وأصبحت ملاذا لطلاب العلم بسبب حصونها المنعية القادرة على صد هجمات الخوارج مما شجع هجرة الناس إليها من الكوفة خاصة وكذلك لمكانة الحوزة الدينية العظيمة والمدارس الدينية المنتشرة حولها . وقد وصفها أبن بطوطة الرحال المغربي بقوله : بأنها مدينة حسنة في أرضها فسيحة صلبة من أحسن مدن العراق وأكثرها ناسا وأتقنها بناء وفيها مدرسة عظيمة يسكنها الطلبة والصوفية من الشيعة . وبالرغم من النكبات التي ألمت بالنجف ألا أنها بقيت حاضرة الدولة الإسلامية متماسكة بعلمائها ومدارسها العلمية والدينية ، وقد زارها الكثير من الرحالة ومنهم الرحال البرتغالي (تكسيرا) سنة 1013 هـ . وفي مطلع القرن الثالث عشر عادت المرجعية الدينية إلى النجف بعد أن مكثت مدة طويلة في الحلة وكربلاء ونشطت الحركة العلمية والأدبية فيها ، فكثر العلماء والشعراء والأدباء وأُنشئت المكتبات الخاصة والعامة تضم بين ثناياها العديد من المطبوعات النادرة في مختلف أنواع الثقافات وشتى العلوم .
أن النجف الأشرف فعلا قد ورثت الكوفة مكانة وناسا من منطلق الحكمة التي تقول : أن للأماكن / المدن حظوظا كما أن للناس حظوظا ، وليس المراد من الحظ هنا معنى الصدفة ولكنه معنى التوفيق الذي يحالف المكان فلا يتخلى عنه . هو مكان قدَرُه أن يظل تحت الضوء بسبب موقعه الجغرافي ومكانته العلمية وانبثاق أضواء الثقافة والسياسة منه إضافة إلى قدسيته ، لم يستطع وهج السياسة وبريق العواصم السياسية أن يلغي النجف كمكان أو يزيلها من الجغرافية العلمية للمسلمين فبقيت في قلب هذه الجغرافية . ومن اللافت – وله دلالته الواضحة – أن النجف الأشرف يمكن أن تكون عاصمة ، بما وهبها الله من رصيد تاريخي وجغرافي وحضاري ، وهو أمر بالغ الأهمية ، ويعني أن ثمة وعيا مسبقا بوظيفة هذا المكان والغايات التي ينتظر أن يقوم بها . وبداهة أنه كلما اتسعت الآفاق وأستشرقت الآتي وكان الوعي مبكرا ، كانت الاحتمالات في أن يشغل المكان ما يستحق من مكانة أكبر ، فالمكان بالمكين ، وهذا ما كان بالنسبة للنجف ، فالأمام عليّ عليه السلام عندما فكر في إنشاء دولته في الكوفة التي لا تبعد بضع كيلومترات عن النجف ، كان واعيا تماما بما يريد ، وكان ما يريد كبيرا ، لأنه يعلم أن في بقعة النجف قبرا آدم ونوح وقد أوصى بدفنه في هذه البقعة . وبنفس الوقت قد حقق ما كان يريد أن تكون النجف مدينة عظيمة تخلف الكوفة وتكون مصدرا إشعاعيا للحضارة الإسلامية وثقافتها . لم يكن اختيار الأمام لموقعها اختيارا عشوائيا .
ليست النجف الأشرف مدينة مقدسة ، كمكة المكرمة أو المدينة المنورة أو القدس الشريف ، ولا هي عاصمة سياسية كبيرة ، كدمشق أو بغداد أو القاهرة ، ولا هي كذلك مدينة أنشأها المسلمون ، كالبصرة أو الكوفة ، فتأسست فيها معرفة أسلامية شديدة الخصوصية مرتبطة بالدين وكتابه ولغته .. من هذا النفي المركب لا يعني أنها لم تكن مستقرة في الوعي العربي قبل الإسلام ثم في الوعي الإسلامي المبكر بعد ذلك ، مما أزداد رسوخا وتمكنا من انضمامها إلى الجغرافية الإسلامية . ثم أن النجف بوصفها دار مملكة الإسلام كانت داخلة في خريطة الدعوة الإسلامية ، فقد زارها العديد من أئمة بيت النبوة وغيرهم من الدعاة . عندها أدرك المسلمون أنهم أمام مدينة غير اعتيادية ، ليس في تخطيطها وعمرانها ومعمارها وطبوغرافيتها فحسب ، ولكن في مخزونها الحضاري والفكري الذي تكون لها عبر القرون . وتبقى النجف مدينة لا يمكن أن تفقد مكانتها إذا ما تخلت عنها السياسة ، إذ لديها القدرة على أن تستمر استنادا إلى عوامل أُخرى تستدعيها من رصيدها التاريخي والحضاري والفكري فتعوض ما فقدت ، لتظل محتفظة بكيانها وصيرورتها ولتتجدد مع كل زمن جديد بما يلائمها .
الخاتمة :
إن استمرار النجف الأشرف مدينة حاضرة في المشهد الحضاري عبر التاريخ الذي عرفه المكان – على الرغم من كل ما تعرض له – يثير سؤالا عاما مهما : لماذا لا يتم الالتفات إلى بعض المدن التي تمتلك رصيدا تاريخيا
حضاريا ، فتكون وعاء يتم توظيفه مرة أُخرى بما يناسب ذلك الرصيد لتحقيق انطلاقة على صعيد أو أكثر ، وهي انطلاقة قد لا تجد الفرصة لها في أماكن أُخرى . ولدينا شاهد حي بالنسبة للنجف : مكتبتها التي تعرف بمكتبة الروضة الحيدرية المطهرة ويرجح تأسيسها إلى عهد عضد الدولة البويهي المتوفى عام372 هـ . وكانت تضم أنفس الكتب والمخطوطات ، فقد كانت موضع اهتمام لملوك وأمراء واعيان الشيعة ، وقد نالت شهرة علمية واسعة ، إذ شرع طلاب العلم بالتوجه إليها من جميع أنحاء العالم وتم إحياؤها بعد الحريق الذي شب بالروضة المقدسة آنذاك . فهل نتصور أن يكون لهذا الإنجاز درجة تأثيره في أي مدينة أُخرى مقطوعا عن تاريخ المكان وفلسفته المختزنة ؟ لا شك أن (العولمة) القائمة حاليا قد أثرت إلى حد كبير في خصوصيات المكان كما أثرت في خصوصيات الإنسان ، ولربما استطاعت أن تشغل الناس وتبهرهم بأمور أُخرى ، لكن هذا لا يعني أن المكان قد فقد دوره ، فأصبحت الأماكن جميعا مكانا واحدا ، ليس ثمة ما يفرق بين أحدها الآخر .
ومن ملامح خصوصية المكان قدرته على الأسر أو الجذب مما يؤدي إلى اجتماع القدرات الإنسانية فيه ، وهو اجتماع يعني تجدد حياة المكان وعطائه ، وهذا ما كان مع النجف الأشرف التي اجتذبت والتي ستجتذب الكثيرين ، كونها ستبقى عاصمة الثقافة الإسلامية عبر الزمن .
نشرت في مجلة اوروك بالعدد 22 / كانون الثاني 2012

التبويبات

3 Comments

  1. Image

    Donec sed odio dui. Nulla vitae elit libero, a pharetra augue. Nullam id dolor id nibh ultricies vehicula ut id elit. Integer posuere erat a ante venenatis dapibus posuere velit aliquet.

  2. Image

    Integer posuere erat a ante venenatis dapibus posuere velit aliquet.

قم بتسجيل الدخول لإضافة تعليق