من منطلق مقولة سارتر : ( لكي أكون ذاتا حرة بالنسبة للآخر يجب أن يكون الآخر موضوعيا بالنسبة لي) أي أن الآخر إذا كان حكيما وموضوعيا في طروحاته وأفعاله سيتماهى مع الذات المفكرة وهي (الأنا الحرة) ويشكلان الاثنان موضوعا قابلا للتفكير والإدراك ؛ وإلا ستضطر الأنا أن تصبح متفردة في قرارها ، دكتاتورية في قمعها للآخر كون الآخر أصبح خارجا عن تلك الموضوعية ، وهذا ينطبق تماما عندما تكون الأنا آخرا فتصبح جحيما.. وجدت الأُستاذ عبد الرحمن الباشا في مقالته المنشورة في مجلة صوت الآخر بالعدد 371 لسنة 2012 تحت عنوان (مع الأديب الفرنسي آلان روب غرييه في بغداد) قد تفاعل مع الآخر وهو آلان روب غرييه ، لأن الآخر عرفه الباشا أكثر موضوعيا في كتاباته وفكره الحر مما جعل الباشا أن يكون سرده موضوعيا وحرا دون رتوش ، موضوعيا في أحداثه .. مصداقيا في كلماته .. متقدا ذهنيا في مخزونه ، لم ينس منها صغيرة كانت أم كبيرة .. فأصبحت أدوات كتابته لهذه الخاطرة المسهبة المشوقة خير عون لتعريف القارئ على مدى نضجه الفكري وإطلاعه الواسع على الأدب العالمي . فأقول رب صدفة خير من ألف ميعاد ؛ فتحققت الصدفة فكان على موعد مع نخبة من الأدباء المرموقين أصحاب الأقلام الحرة . ولكني أُريد من المرء أن يصدقني قولا بأنني فوجئت بهذه المقالة وكأنني أقرأ شيئا من تراثنا البعيد في الزمن السعيد أو أدبا من آداب الكاتب الجيكي كافك الذي يصور الحياة بكل أجزائها ضمن مكان مكين واحد متداخلة أحداثها برتابة تكون أكثر شوقا وشغفا للقارئ ... وأنا المتعود على قراءة عموده المعروف (كل أربعاء) يوجز مواقف كونية حين يطرحها باقتدار فلسفي ومعرفة لها دلالاتها الإنسانية والاجتماعية ويولج داخلها ويقيم فيها ليصل إلى الحقيقة المطلقة التي تؤشر على السلبية منها والإيجابية بكلمات مقتضبة يجمع بين العمود والمقالة ، كاشفا عن قدراته الأدبية المختبئة وراء عموده االناقد.
أن اهتمام الأديب عبد الرحمن الباشا بهذه الأديب الفرنسي لم يكن عشوائيا وإنما ناتج عن توافق الرؤى الفكرية المبنية على الحداثة في الرواية وغيرها ، يبدو أن الكاتب آلان من سيرته يعتبر رائدا من رواد مدرسة الرواية الجديدة وأن كتاباته تسعى إلى تخليص الرواية من الواقعية البرجوازية ، لأن من سمات فن الرواية ينبغي أن تنطلق من الواقع الشعبي وتستقر ثانية في واقعها التي ولدت منه لتحاكي هموم الناس ومشاكله . كما أجد هناك مماهات فكرية متشابهة بينهما عند التفلسف ودخول حبال الفلسفة ، أي كما قلت الولوج داخلها والإقامة فيها والتصرف بها عوضا أن يدور حولها وهذا في المجال النقد الأدبي . لأن الباشا لديه خلفية فكرية عن آلان روب قبل أن يراه ويلتقي به ، وذلك من خلال سبر أغوار كلمات قصصه التي امتازت بالرمزية والاختلاط والممازجة والانصهار مع الذكريات في الماضي والماضي البعيد والذي يحاول سحبه إلى الحاضر ليخلق مستقبل فكري إنساني واعد وخروجه عن الأسلوب الكلاسيكي معتمدا على التحليل السيكولوجي لشخصية رواياته ، قلما يتمكن أحد من الكشف عن مراميها إلا إذا تفلسف وأقام فيها ولامس جدلية الإبداع بين الشكل والمضمون بشكل متوازن . وأن الباشا عارف بأن الحاجة تبقى ماسة إلى الشكل والمضمون الجديد مع بقاء الأصالة قائمة طالما نحن نعيش مرحلة الحداثة .
ولكن لربما سيطفو هنا سؤال على سطح عقل القارئ . هل يستحق هذا الوصف كل هذا الإطراء والثناء ؟ نعم يستحقها لأنني لا أتفق مع موت المؤلف كما يقال؛ طالما أن النص أو المضمون يلامس الوجدان الإنساني ويحاكي هموم الناس ويكشف الأنا المتضخمة أو الآخر الجحيم لصالح المجتمع واستطاع أن ينجب فكرا خلاقا من ولادة متعسرة بلغة أدبية رصينة شفافة اتخذت طابعا فلسفيا عقلانيا ، دون مآربه أو تمييز أو بخس حقه . ألا يستحق هذا الأديب كل هذا الإطراء والثناء ؟ وإلا بخلافه سيُظلم ذلك الأديب ومضامينه الأدبية معا ونقع في إشكالية الشكل والمضمون ,
نشرت في مجلة صوت الآخر بالعدد 374 في 8/2/2012
Donec sed odio dui. Nulla vitae elit libero, a pharetra augue. Nullam id dolor id nibh ultricies vehicula ut id elit. Integer posuere erat a ante venenatis dapibus posuere velit aliquet.
Nullam id dolor id nibh ultricies vehicula ut id elit.
Integer posuere erat a ante venenatis dapibus posuere velit aliquet.