المسألة الزنبورية بين الكوفة والبصرة

2/15/2012
صورة اللوح

لقد لعبت كل من البصرة والكوفة أدوارا مهمة في تاريخ العراق الفكري والإنساني لما تتمتعان به من موقع ممتاز متوسط على طريق القوافل التجارية والمواصلات في العصور الماضية بعد أن أُعتبر الموقعان موقعا عسكريا هاما على حافة الصحراء أيام الفتح الإسلامي ، إضافة إلى دورهما الفكري والعقائدي الذي أغنى الساحة الفكرية العراقية وغيرها من الأمصار العربية ، كما ضم ثرى الكوفة الكثير من الأنبياء والأولياء حالها حال البصرة ، إذ ضم ثراها الفلاسفة ورجال الدين والفقهاء . وعلى هذا الأساس حملتني على وضع هذه المقالة (العلاقة الجدلية بين البصرة والكوفة) عدة حوافز من أهمها الإعزاز العميق لتراثنا العربي الإسلامي والإحساس الشديد بأن القارئ بات بأشد الحاجة للوقوف على حقيقة تاريخه وما هي العلاقة الجدلية لتلك المدينتين .
نبذة تاريخية
الكوفة : أسسها سعد بن أبي وقاص في عهد عمر بن الخطاب 638م ، لتكون قاعدة عسكرية للمسلمين ، بدلا من المدائن ، بعد أن ثبت أن بيئة المدائن قد أثرت في صحة جند العرب . وبسب موقع الكوفة الجغرافي الذي لا يفصلها عن المدينة المنورة فاصل طبيعي ، من بحر أو عارض . وحينما مصرها العرب عرفت بالكوفة من (التكوف) لاستدارة بنائها ويقال تكوف القوم ، أي اجتمعوا واستداروا وسميت كوفان : المواضع المستديرة من الرمل أو الرمل الأحمر . وقيل معناها البلاء والشر . وقيل سميت كوفة الجند : لأنها أسست لتكون قاعدة عسكرية تتجمع فيها الجند , وأن اسمها سرياني .
وتبدأ الفترة المهمة في تاريخ الكوفة في شهر رجب عام (36هـ) ، حينما اختارها الإمام علي عليه السلام – بعد انتصاره في معركة الجمل – لتكون عاصمة للخلافة الإسلامية . .. وبذلك أصبحت الكوفة المركز السياسي والعالمي الأوّل في العالم الإسلامي ، فهاجر إليها الناس وطلاب العلم ، واتسعت بناءً وسكاناً ، وعظمت مكانةً وشأناً في كل النواحي . وظلت الكوفة تتسع وتزدهر حتّى أصبحت في القرن الرابع الهجري ، كما يقول (ماسبنيون ) : ( حاضرة كبيرة ترتبط بها بابل وعين التمر وسور والنيل) . لكن هذا الازدهار لم يستمر بسبب هجمات الخوارج وغزو بعض القبائل وحركة القرامطة ، جعلت سكانها وطلاب العلم يهاجرون إلى مدينة النجف وسكنوا حول ضريح الإمام عليّ عليه السلام ، فأصبحت النجف وريثة للكوفة واشتهرت بنمائها وتطورها الثقافي والعلمي إضافة إلى ازدهارها العمراني والتجاري وملاذا لطلاب العلم بسبب حصونها المنعية القادرة على صد هجمات الخوارج مما شجع هجرة الناس إليها من الكوفة خاصة وحضت بعناية بالغة من الخلفاء والسلاطين بسبب وجود الحوزة الدينية وقدسية المكان حيث قبر الإمام علي إضافة لقبور الأنبياء آدم ونوح وصالح وثمود عليهم السلام .
وقد اشتهرت الكوفة بشعرائها ونحويها أمثال أبو الأسود الدوؤلي وعلي بن حمزة ألكسائي والكميت وغيرهم ومن أشهر فقهائها الأمام علي بن أبي طالب وجعفر الصادق عليهما السلام . كما اشتهر خطباؤهم وفصحاؤهم في الذود عن الحقّ والعدالة والفضيلة .
البصرة : شيدها عتبة بن غزوان في عهد الخليفة عمر بن الخطاب سنة 14 وقيل 15هـ عند ملتقى دجلة والفرات وقد اتخذها المسلمون مشتى لهم ويستريحون فيها من غزواتهم في بلاد الفرس . وقيل أن سبب تسميتها بالبصرة كونها قريبة من المشارب والمراعي والمحتطب . ومعناها لغويا هي : الأرض الغليظة الصلبة ذات الحجارة الصلبة . تتميز بموقعها الجغرافي الهام حيث تعد البوابة الرئيسية للعراق من جهة الجنوب مع دول العالم المختلفة . وتضم البصرة خليطا متجانسا من كل الأعراق ففيها المسيحيين من الكلدان والسريان والاشوريين كذلك يسكنها الصابئة منذ القدم وذلك لكثرة أنهارها كما سكنها اليهود منذ إنشائها بالإضافة إلى المسلمين بمختلف طوائفهم بل كانت مهدا لمدارس دينية وأدبية كثيرة إضافة لهؤلاء سكن البصرة عرقيات متعددة أخرى كالفرس والهنود والأكراد والأتراك وبعض الأوربيين وعندما حصلت مجازر الأرمن كانت إحدى المناطق التي استقبلت الفارين منهم حيث كانت ملجأ للهاربين من الصراعات ورغم هذا الخليط الشائك فأنها عاشت متآخية طوال العصور. شهدت البصرة على مدى تاريخها أحداثًا تاريخية مهمة ، منها واقعة الجمل عام 35 هـ وغيرها من الأحداث التي توالت عبر الزمن ، مما أدى إلى خرابها وإنشاء مكان آخر لها يبعد عن مركزها الأول 14 كيلومترًا إلى الشمال الغربي وذلك في القرن الرابع عشر الميلادي . وكانت البصرة في الماضي من أشهر المدن وأكثرها أدبا وعلما وتجارة وعزًا وأجلها شأنًا وأبهجها مركزًا وتُعد ثانية مدينة بعد بغداد في الأهمية كمركز تجاري بين العراق والبلدان الأُخرى . وقد لعبت البصرة دورا كبيرا في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية . فقد كانت مساجدها ومدارسها تعج بحركة العلماء والفقهاء والأدباء : كسيبويه من أشهر النحاة وعطاء بن واصل من أشهر أئمة المعتزلة وحسن البصري من أشهر الصوفية وغيرهم ، ممن ظهروا فيها في القرن الرابع للهجرة ، كالمدرسة الشهيرة الذي ذاع صيتها في الآفاق ، هي مدرسة إخوان الصفا .
الجدلية بين المدينتين :
يلاحظ مما جاء أعلاه أن الجدلية اعتمدت على أن البصرة قد امتازت بالموالي أكثر من الكوفة كون الأخيرة امتازت بالقبائل العربية اليمانية خلاف البصرة لأنها تقع على مفترق طرق كثيرة تصل بين الهند والشام من جهة وبين فارس والجزيرة العربية من جهة أخرى مما أدى بها إلى النمو السريع والتفاعل مع تلك الأقوام حتى تمكنت من أن تكون سباقة إلى حياة التحضر التي تستلزم التقدم الفكري والفلسفي ومنها العلوم العربية بسبب حاجة الجاليات إلى ضوابط وقواعد لغوية تسهل امتزاجها في المجتمع وكون البصرة أيضا ميناء يستقبل كثيرا من الزوار والمثقفين والتجار الذين لهم الأثر الكبير في بيئة البصرة وبالتالي قبول كل شيء جديد ، لذلك نجد أن البصرة لم تكن ميالة لتبني المذاهب الروحية والأفكار الدينية ، وإنما ساهمت في تماهي تلك المفاهيم والأفكار الدينية بأفكار وضعية فلسفية . وهذا يدفعنا لكشف النقاب عن حقيقة مهمة ألا وهي : لماذا اتصفت الكوفة بالأصالة العربية والبصرة بالاختلاط ؟ لقد كان اليمنيون على جانب من الحضارة باعتبارهم من عرب الجنوب أُُتيح لهم أن يتغلبوا على الآثار الواردة إلى الكوفة من حضارات أجنبية فاستطاعوا هضمها . لذلك نجد أن القبائل الكوفية اتجهت وجهة روحية دينية فترعرعت الحركة الشيعية بكنف هذا المجتمع منذ أن أتخذها الإمام علي (ع) عاصمة لحكمه وعرفت بموالاتها لعلي وأبنائه . أما العنصر العربي الذي نزل البصرة فهو مضري من عرب الشمال الذي اتصفت حضارته بالضعف ، فغلبت عليها الثقافة الأجنبية في بيئتها
الجديدة مما أدى إلى ظهور أفكار وفلسفات تنظر إلى الدين برؤية جديدة ممثلة تلك الأفكار بالمعتزلة ومنهم إخوان الصفا الذين تأثروا بالفكر اليوناني والفارسي والهندي بسبب اختلاط عرقيات متعددة مع العرب كما أوضحنا أعلاه ، والصوفية التي انتهجت فكرة وحدة الوجود .
كما اشتهرت المدينتان بالمدارس الكلامية التي تناولت الذات الإلهية والقضاء والقدر . فالمعتزلة في البصرة أجهد أصحابها لإثبات الاختيار في المقابل سعى الأشاعرة (القدرية) لإثبات الكسب الذي لا يختلف عن الجبر في اللفظ ، ألا أن المسألة لم تقدم حلا وسطا يوفق بين الاتجاهين وما يجمع أطراف المشكلة غير مذهب (الأمر بين الأمرين) الذي قالت به الإمامية الأثنا عشرية في الكوفة .
كما كانت البصرة تناظر الكوفة في المذاهب العربية وهو أمر مشهور في كتب النحاة ، وقال بعضهم حيثما وجد اختلاف بين البصريين والكوفيين ، فمذهب البصريين أصح من جهة اللفظ ومذهب الكوفيين أصح من جهة المعنى . والشاهد على ذلك السجال الذي حصل بين علي بن حمزة ألكسائي وسيبويه في المسألة الزنبورية المشهورة . ولذلك كانتا أشهر من أن تذكرا في صحة العربية وثقتها . فالمسألة الزنبورية كما ورد في كتاب الخلاف بين العلماء تأليف الشيخ الإمام كمال الدين أبن البركات الأنباري النحوي ، إذ تبين أنه جيء بسيبويه إلى مجلس وزير الخليفة يحي بن خالد البرمكي وكان عنده ولداه جعفر والفضل ومن حضر بحضورهم من الأكابر ليناظر شيخ النحاة من الكوفيين ، لكي ينتقصوا من سيبويه لأعجميته . فقال الكسائي لسيبويه : (قالت العرب قد كنت أظن أن لسعة العقرب أشد من لسعة الزنبور ، فإذا هو هي أم فإذا هو إياها) . فأنكر سيبويه وقال الصحيح هو (فإذا هو هي) والدليل قوله تعالى : (فإذا هي حية تسعى) وقوله تعالى : (فإذا هي بيضاء للناظرين) فلا يجوز النصب والدليل الآخر هو أن البصريين احتجوا بالقول : إنما قلنا إنه لا يجوز إلا الرفع لأن (هو) مرفوع بالابتداء ، ولابد للمبتدأ من خبر ، وليس هاهنا ما يصلح أن يكون خبراً عنه ، إلا ما وقع الخلاف فيه ، فوجب أن يكون مرفوعاً ، ولا يجوز أن يكون منصوبا بوجه ما ؛ فوجب أن يقال (فإذا هُوَ هِىِ ) فهو: راجع إلى الزنبور لأنه مذكر ، وهي : راجع إلى العقرب لأنه مؤنث . فأجابه الكسائي : نحن العرب نقول غير ذلك ، واحتدم النقاش إلى أن أتوا ببعض الأعراب الفصحاء الذين كانوا قد اخذوا الرشوة مسبقا لكي يشهدوا ضد سيبويه زورا وبهتانا فشهدوا ضده فقالوا ( القول ما قال خصوم سيبويه ) بعد أن احتجوا (إن إذا إذا كانت للمفاجأة كانت بمنزلة وجدت) فهو باطل ؛ لأنها أن كانت بمنزلة وجدت في العمل فوجب أن يرفع بها فاعل وينصب بها مفعولان كقولهم (وَجَدْتُ زيداً قائماً ) فترفع الفاعل وتنصب المفعولين . عندها طلب سيبويه من الشهود أن ينطقوا الجملة الخاطئة لأنه يعلم أن العربي القح الفصيح لا يستسيغ لسانه النطق الخاطئ ألا أنهم لم يفعلوا ذلك وتفرقوا . ومهما يكن فإن البرمكي حفظ لسيبويه حقه آخراً كما حفظ له أولاً ، فأجاز الوزير بعد تلك المناظرة بعشرة آلاف درهم من تلقاء نفسه ، أو بإيعاز من الكسائي كما تذكر كتب التراجم ، ثم أنتقل بعدها إلى الأهواز فمات غما من جراء تلك المناظرة .
ومن المقاربات أيضا بين البصرة والكوفة أن جعل المسلمون موقعهما موقعا عسكريا أو سكنا للجنود المحاربين لبعد المسافة بينهم وبين أهاليهم ، تحسبا من حرمان جبهات القتال من المحاربين طيلة فترات غيابهم الطويلة ، كذلك كان لا بد من إيجاد معسكرات ثابتة للتحرك منها لضرب قواعد العدو أو طرق إمداداته أو لنجدة بقية الجبهات عند الحاجة واعتبارها مقرات بعيدة على حافة الصحراء . كل هذه الأسباب وغيرها جعلتهم يفكروا بإنشاء مثل هذه المدن .
ضمن كتاب فلسفة المفاهيم وتطبيقاتها
نشرت في مجلة أوروك بالعدد21 تشرين الأول / تشرين الثاني

التبويبات

3 Comments

  1. Image

    Donec sed odio dui. Nulla vitae elit libero, a pharetra augue. Nullam id dolor id nibh ultricies vehicula ut id elit. Integer posuere erat a ante venenatis dapibus posuere velit aliquet.

  2. Image

    Integer posuere erat a ante venenatis dapibus posuere velit aliquet.

قم بتسجيل الدخول لإضافة تعليق