نحن الآن نعيش بلا شعر

1/23/2012
صورة اللوح

لا تؤاخذني في البدء أن أقول : (نحن الآن نعيش بلا شعر) عند قراءة الكتاب الموسوم (كتابات في عبر الزمن / الجزء الثاني) لمؤلفه المبدع الأديب فاخر الداغري ، الذي جُله يتحدث عن الشعر والشعراء وتراجم حياتهم وإبداعاتهم من المتأخرين والمتقدمين الذين أعادوا ديباجته العربية الأولى والذي قلما نجده لدى شعراءنا في وقتنا الحاضر ، لأن الشعر بجب أن يكون تعبيرا عن نفس الإنسان وخواطره ومعانيه الخاصة ويجب أن تكون القصيدة وحدة موضوعية ، هذا وذاك لا تتوافر إلا في شعر أولئك الذي ذكرهم أبو أيوب الداغري بكتابه آنف
الذكر . سيسأل البعض : لماذا أبو أيوب الداغري ؟ لأجبت أنه يمثل امتداد الماضي في كتاباته لكُتاب العربية الذين كنوا بهذه التسمية ، لأنها تعطي بُعدا استقرائيا وثقافيا .
فالكتاب يضم بين دفتيه 231 صفحة موزع عليه 48 مقالة جُلها في الشعر العربي كما قلت . وكان أديبنا محققا ومبدعا في قدرته على سبر أغوار عواطف أولئك الشعراء مستخدما حواسه ومشاعره الصادقة التي سكنت في عقله ووجدانه مكانا قصيا ، فقد وازن بحق بين دور الحواس في المعرفة الإنسانية وبين دور العقل الذي يبدأ حقيقة من تلك الإدراكات الحسية الكامنة فيه مستشهدا بقول الفيلسوف اليوناني إيبقور (القرن الثالث قبل الميلاد) : أنها لو كانت خادعة فهل العقل وهو الصادر عنها هو الذي سيشهد ضدها . وفعلا فقد كانت حواس أبو أيوب الداغري صادقة في نقل مشاعر أولئك الشعراء وأحاسيسهم في مقالاته التي امتازت بالتوثيق العلمي والرصانة الأكاديمية . فالكتاب حقا يجمع بين التوثيق المتقن والاطلاع على مصادر ومراجع عديدة ، لها القدرة على إثبات ذلك كله وإحالته داخل متن النص وحواشيه . فالمؤلف موفور الحماس متقد الذهن فيما يعرضه من قضايا شعرية وأدبية . ألا أنه بالغ في اعتماده على التراث بشكل مركوز دون اللجوء إلى مزاوجته مع الحداثة التي شملت جميع مناحي الحياة ، لأنه تراثي من الطراز الأول ، ومطلع على التراث العربي في متونه التاريخية والحديثية والتفسيرية ، اطلاعا مبهرا ، وهو بهذا التزاوج قد يخطو خطوة أخرى صوب الرصانة العلمية والفكرية ولأصبح الكتاب منزلة بين منزلتين ، منزلة التراث (الماضي) ومنزلة الحداثة (الحاضر) . وبالرغم من هذه الرؤية فقد نجح في بلوغ مآربه إلى حد بعيد بإيصال المعرفة الإنسانية للقارئ العربي وخصوصا في مقالته ( قول في بلاغة العربية) ص11 الذي حاول جاهدا أن يثبت بعض آرائه الخاصة بتاريخ تطور اللغة العربية . وأنا بدوري أقول : إن الحياة الجديدة المتطورة لا تصلح الأوزان القديمة للتعبير عن واقعها ، لأن البيت الموزون المقفى وحدة صغيرة لا تتسع للتجربة الواقعية الجديدة المنبسطة ، ولا بد من نسق جديد للشعر .
نشرت في مجلة الصوت الآخر بالعدد 371 في18/1/2012
 

التبويبات

3 Comments

  1. Image

    Donec sed odio dui. Nulla vitae elit libero, a pharetra augue. Nullam id dolor id nibh ultricies vehicula ut id elit. Integer posuere erat a ante venenatis dapibus posuere velit aliquet.

  2. Image

    Integer posuere erat a ante venenatis dapibus posuere velit aliquet.

قم بتسجيل الدخول لإضافة تعليق